يريد أحمد تأمينًا جيدًا لسيارته، فيتعاقد مع الشركة التي سمع اسمها أكثر من غيرها. كما تعلم مارتا أن مدخراتها غير كافية لتكملة معاشها التقاعدي، لكنها خلال تخفيضات الجمعة السوداء قررت إنفاق مبلغ كبير من المال على هاتف ذكي من أحدث طراز.
أما أسعد، القلق على صحته، فقد كان ينوي ارتداء كمامة عندما ذهب إلى المسرح مع أصدقائه، لكن بما أن أحدًا لم يكن يرتديها، انتهى به الأمر إلى عدم ارتدائها هو أيضًا.
تُظهر هذه الأمثلة جميعها أن علم النفس يؤثر بوضوح في الاقتصاد، وأن البشر في كثير من الأحيان لا يتصرفون ولا يتخذون قراراتهم بطريقة عقلانية بالكامل كما تفترض النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، التي تُختزل في نموذج "الإنسان الاقتصادي" (Homo economicus).
يفترض هذا النموذج أننا، عند اتخاذ القرارات، عقلانيون تمامًا. وهذا يعني أننا قادرون على تحليل كل المعلومات ذات الصلة، ونختار الخيار الذي يحقق لنا أكبر منفعة شخصية كالأموال أو الراحة وغيرها.
لكن الأدلة التجريبية تظهر أن البشر لا يتخذون قراراتهم بهذه الطريقة. فكثيرًا ما لا نحلل كل المعلومات المتاحة، ولا نحسن تحليلها أصلًا، لأننا إحصائيون حدسيون ضعفاء. إضافة إلى ذلك، نحن كائنات اجتماعية، لذلك تتأثر قراراتنا بما يفعله الآخرون، ومن هنا نشأ مفهوم الاقتصاد السلوكي.
في قراراتنا اليومية كثيرًا ما نسترشد بما يسمى الاستدلالات الذهنية (Heuristics)، وهي اختصارات عقلية واعية أو غير واعية تسمح لنا باتخاذ قرار بسرعة، مع قدر قليل من البحث عن المعلومات، ولكن مع درجة معقولة من الدقة.
غالبًا ما تنجح هذه الاختصارات، لكنها في أحيان أخرى تقودنا إلى أخطاء أو انحيازات معرفية. وقد تمكن الاقتصاد السلوكي من تحديد أكثر من 100 انحياز معرفي مختلف.
في الأمثلة التي وردت في بداية المقال: تأثر أحمد بانحياز التوافر، فاختار الشركة التي سمع عنها أكثر بدلًا من تحليل أيها الأفضل. ووقعت مارتا في انحياز الحاضر، إذ قللت كثيرًا من قيمة فوائد التقاعد المستقبلية، ورفعت في المقابل قيمة الاستهلاك الحالي. أما أسعد فقد خضع لتأثير القطيع، متأثرًا بسلوك الآخرين.
لقد نشأ الاقتصاد السلوكي منذ سبعينيات القرن العشرين في مقابل الاقتصاد الكلاسيكي، وهو يجمع بين علم النفس والاقتصاد. ويُعد الحاصل على جائزة نوبل دانيال كانيمان مع عاموس تفرسكي من أبرز مؤسسيه. وقد أجرى العالمان عددًا كبيرًا من التجارب لوضع أسس هذا المجال. ويُعد كتاب كانيمان "التفكير السريع والبطيء" من الكتب الأكثر مبيعًا التي تعرض أفكارهما بأسلوب مبسط.
وقبل ذلك كان هناك أيضًا الحائز على جائزة نوبل هربرت سايمون (1956) بمفهوم العقلانية المحدودة. فالعقل البشري لديه حدود في المعرفة والوقت والقدرة الحسابية، لذلك نميل إلى اتخاذ قرارات سريعة و"جيدة بما يكفي"، وهو ما يسمى بالسلوك المُرضي (Satisficing).
فهل الانحيازات شيء سيئ؟ ليس بالضرورة. فوفقًا لمقاربة "السريع والبسيط" (Fast and Frugal) التي طرحها الباحث غيرد غيرينزر، لا تُعد الاستدلالات الذهنية مجرد اختصارات غير عقلانية تقود إلى قرارات سيئة، بل على العكس قد تكون مفيدة لأنها تتيح اتخاذ قرارات دقيقة نسبيًا بأقل جهد ممكن.
بل إن بعض علماء النفس التطوري يرون أن هذه الاستدلالات والانحيازات ساعدت البشر على البقاء عبر التاريخ. فهي ليست عيوبًا في تصميم العقل، بل خصائص تصميمية.
فأسلافنا الذين رأوا ظلًا مريبًا في عشب السافانا وفرّوا فورًا باستخدام اختصار الهروب تمكنوا من النجاة حتى لو كان الخطر أحيانًا وهميًا. أما أولئك الذين حاولوا تحليل كل المعلومات قبل اتخاذ القرار الأمثل فلم تتح لهم الفرصة لنقل جيناتهم.
قد تدفعنا التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي إلى الاعتقاد بأننا نستطيع استخدامه كمستشار أو مساعد لتحسين قراراتنا مثل المستشارين الماليين الآليين، لأنه غير بشري ولا يمتلك انحيازاتنا.
لكن الحقيقة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها أيضًا انحيازات. فبعضها، مثل الانحياز التاريخي، يأتي من البشر أنفسهم لأن البيانات التي تُدرَّب عليها الأنظمة تحتوي على تحيزات بشرية. وهناك أيضًا انحيازات أخرى تظهر أثناء بناء النماذج مثل انحياز التمثيل.
فإذا لم تستطع هزيمة خصمك، فلماذا لا تتحالف معه؟ هذا ما تقترحه نظرية الدفعة (Nudge) التي طورها الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2017 ريتشارد ثالر. ففكرة "هندسة الاختيار" تقضي بتصميم بيئات اتخاذ القرار بطريقة تجعل الخيار المرغوب، غالبًا من قبل الجهات العامة، هو الخيار الأكثر احتمالًا، وذلك باستخدام الانحيازات السلوكية لصالحنا.
لا يتم إجبار الناس على شيء، بل يتم توجيههم بلطف، وهو ما يسميه ثالر "الأبوية التحررية". فعلى سبيل المثال، إذا جعلنا الخيار الافتراضي في بيئة القرار هو الخيار الذي نريد أن يختاره الناس، فإننا نستفيد من انحياز الوضع القائم ومن ميل البشر إلى التسويف ليكون هذا الخيار هو الأكثر اختيارًا.
وبفضل هذا الإجراء البسيط تمكنت سلطات عدة دول من تحقيق نتائج مهمة، مثل زيادة ادخار العمال للتقاعد. إذ أصبح الخيار الافتراضي هو اقتطاع جزء من الراتب لصالح صندوق ادخار، وكان على العامل أن يغير هذا الخيار بنفسه إذا لم يرغب فيه.
كما استُخدمت الدفعات الاجتماعية لتشجيع توفير الطاقة في المنازل، وذلك عبر إضافة معلومات في فاتورة الكهرباء تقارن استهلاك الأسرة باستهلاك جيرانها، وتبين من يوفر طاقة أكثر في شكل يشبه المنافسة.
في النهاية لسنا عقلانيين تمامًا كما افترضت النظرية الاقتصادية التقليدية. فكما يشير الاقتصاد السلوكي، فإننا بفضل اختصاراتنا الذهنية وانحيازاتنا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. ومن المفيد أن نعرف أي هذه الانحيازات يؤثر فينا أكثر، حتى نستفيد منها لصالحنا، وفي الوقت نفسه نتجنب الوقوع ضحية للتلاعب بها.


