: آخر تحديث

معارك محركها الميثولوجيا

4
4
4

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده المنطقة، والذي بلغ ذروته بالضربات الجوية الأميركية الإسرائيلية المشتركة على الأراضي الإيرانية ومقتل عدد من كبار القادة، يبرز سؤال جوهري يتجاوز تحليلات الجغرافيا السياسية التقليدية: هل ما نشهده هو مجرد صراع على موارد أو نفوذ، أم أن هناك محركًا أعمق وأكثر خطورة يدفع هذه المواجهة نحو الهاوية؟

تشير المعطيات والتصريحات المتزايدة إلى أن المنطقة أصبحت مسرحًا لتصادم ميثولوجيات متعددة، حيث تلتقي النبوءات التوراتية في إسرائيل مع علامات الظهور في المعتقد الشيعي الإيراني، في مشهد خطير يحول الصراع السياسي إلى حرب دينية مقدسة، هدفها ليس الانتصار في معركة، بل إشعال فتيل "نهاية العالم" كما تتصورها فهم النصوص المقدسة.

في الجانب الإيراني، تشكل شخصيات السفياني والخراساني واليماني ثالوثًا محوريًا في عقيدة الظهور الشيعية، فهنالك من يرى أن الإيراني والحوثي والشرع يمثل هذا الثالوث اليوم، حيث تمثل هذه الشخصيات علامات حتمية تسبق قيام الإمام المهدي المنتظر.

ورد عن الإمام جعفر الصادق قوله: "قَبْلَ قِيامِ الْقَائِمِ خَمْسُ عَلَامَاتٍ مَحْتُومَاتٍ: اليماني والسفياني والصيحة وقتل النفس الزكية والخسف بالبيداء".

هذه العلامات الخمس لا بد من تحققها قبل ظهور الإمام المهدي، ويأتي في مقدمتها 3 شخصيات: السفياني من الشام، واليماني من اليمن، والخراساني من المشرق.

وفي المقابل، تعمل ميثولوجيا يهودية متطرفة على توجيه بوصلة الصراع من تل أبيب وواشنطن. فلفهم خطورة اللحظة الراهنة، يجب العودة إلى جذور المصطلح الذي يتردد في الخطابات العسكرية والدينية على حد سواء: "هرمجدون". الموقع ليس وهمًا، بل هو تل أثري في شمال فلسطين يعرف باسم "تل مجدو"، وهو موقع استراتيجي شهد معارك دامية عبر التاريخ.

في الميثولوجيا اليهودية والمسيحية، تحول هذا الموقع الجغرافي إلى رمز للمعركة الكونية الفاصلة بين قوى الخير والشر في نهاية الزمان.

بالنسبة إلى الجماعات اليهودية المتطرفة، فإن إقامة دولة إسرائيل ليست مجرد إنجاز سياسي، بل هي تمهيد إلهي لعصر المسيح، غير أن هذا العصر الذهبي لا يمكن أن يتحقق دون مرحلة انتقالية دموية، تشمل معارك طاحنة ضد "أعداء الله"، وفي مقدمتهم إيران التي تُصوَّر اليوم على أنها تجسيد لقوى الشر في العصر الحديث.

في المعتقد الشيعي، يبرز السفياني كشخصية مركزية في راية الضلال، وهو التناظر الميثولوجي لـ"عماليق" في التوراة. يخرج السفياني من منطقة "الوادي اليابس" قرب دمشق في فلسطين، وقيل في منطقة درعا قرب الأردن.

ورد عن أمير المؤمنين علي، عليه السلام، وصفه: "يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، وهو رجل ربعة وحش الوجه ضخم الهامة، بوجهه أثر جدري، إذا رأيته حسبته أعور، اسمه عُثْمَانُ وَأَبُوهُ عَنْبَسَة، وهو من ولد أبي سفيان". وتبدأ حركة السفياني في شهر رجب، ومدة خروجه إلى نهايته 15 شهرًا: 6 أشهر يقاتل فيها، ثم يملك "الكور الخمس" دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين 9 أشهر. يبعث السفياني جيشين: جيشًا إلى العراق عدتهم 70 ألفًا، وجيشًا إلى المدينة المنورة. أما جيش العراق فيصيب من أهل الكوفة قتلًا وصلبًا وسبيًا، وأما جيش المدينة فينهبها 3 أيام ثم يتوجه إلى مكة، فيخسف الله به في "البيداء".

وفي الخطاب الإسرائيلي المتطرف، يُنظر إلى إيران الشيعية على أنها "عماليق" الجديدة، أي العدو الأسطوري الذي أمر الرب في التوراة بمحوه من الذاكرة. إن إحياء رمز "عماليق" في الخطاب الرسمي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو بمثابة إعلان حرب دينية لا هوادة فيها، لا تقبل التفاوض ولا تعترف بحق الآخر في الوجود. هذا التوجه يترجمه وزراء في حكومته، فعندما يصف وزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كارهي اغتيال قادة حماس بالآية التوراتية "هكَذَا يَبِيدُ جَمِيعُ أَعْدَائِكَ يَا رَبُ"، أو عندما يصف وزير التراث عميحاي إلياهو الدماء بأنها "نجاسة" يجب تطهير العالم منها، فإننا لا نكون إزاء خطاب سياسي عادي، بل أمام رؤية لاهوتية تتبنى مفهوم "التطهير العرقي" كغاية دينية.

في مقابل السفياني، تظهر شخصية اليماني في المعتقد الشيعي كراية هدى، فقد ورد عن الإمام الصادق قوله: "ليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى يدعو إلى صاحبكم" أي الإمام المهدي. ويؤكد الإمام: "إذا خرج اليماني حرم بيع السلاح وإذا خرج فانهض إليه فإن رايته راية هدى ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه". ويخرج اليماني من اليمن، ويمثل رمز الحق في مقابل السفياني. أما الخراساني فهو شخصية ثائرة تخرج من خراسان، منطقة تشمل أجزاء من إيران وأفغانستان وتركمانستان حاليًّا، وهو قائد عسكري يحمل "الرايات السود"، ويؤدي دورًا مهمًا في التمهيد لظهور الإمام المهدي. تؤكد الروايات خروج الشخصيات الثلاث في توقيت واحد، فعن الإمام الباقر: "خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضًا".

لا يمكن لهذه الميثولوجيا الشيعية أن تتحول إلى قوة دافعة للصراع بدون البنية العقائدية التي تتبناها طهران، كما لا يمكن للميثولوجيا اليهودية أن تتحول إلى واقع مدمر بدون الغطاء العسكري والسياسي الأميركي. هذا الخلط الخطير بين السياسة الخارجية وعلم الأخرويات المسيحية المتطرفة يعني أن القرارات المصيرية تتخذ في غرفة عمليات تعج ليس فقط بالخرائط العسكرية، بل بنبوءات سفر الرؤيا.

ويصف الإمام الباقر المشهد من الزاوية الشيعية: "لا بد أن يملك بنو العباس فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني هذا من المشرق وهذا من المغرب يتسابقان إلى الكوفة كفرسي رهان". وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق: "اليماني والسفياني كفرسي رهان". ويشهد الإمام الباقر لمن يقتل في حركة الخراساني قائلًا: "قتلاهم شهداء"، ثم يضيف: "أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر". هذا الاستعداد للاستشهاد في المعركة الميثولوجية يقابله في الجانب الإسرائيلي اعتقاد بأن المعركة يجب أن تكون "دموية" و"شاملة" لأنها شرط ضروري لعودة المخلص، مما يفسر الحجم غير المسبوق للضربات التي تجاوزت ضعف ما شهدته حرب العراق.

المشروع الميثولوجي لا يتوقف عند إيران. بعد توجيه الضربة المركزة لطهران، بدأت الأوساط الإسرائيلية بإعادة إنتاج السيناريو نفسه مع تركيا، واصفة إياها بـ "إيران الجديدة". هذا يعني أن دائرة "الأعداء التوراتيين" قابلة للتمدد لتشمل أي قوة إقليمية تعيق مشروع "إسرائيل الكبرى". وفي المقابل، يبقى التحقق من شخصية اليماني، الحوثي، والخراساني، الإيراني، في المعتقد الشيعي مرتبطًا بتحقق علاماتها، خاصة خروج السفياني، الشرع، في نفس اليوم والشهر والسنة. وحتى ذلك الحين، يحذر الحديث الشيعي من المدعين الكذابين، ففي توقيع الإمام المهدي إلى السفير الرابع: "وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر".

المنطقة أصبحت ساحة لاختبار نبوءات قديمة، حيث يُستخدم الدم الحقيقي لإثبات صحة نصوص يعود تاريخها إلى آلاف السنين. إن الاصطفاف الأميركي خلف إسرائيل في هذه الحرب لم يعد قائمًا فقط على مصالح استراتيجية، بل على عقيدة دينية مشتركة بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية المتطرفة، وفي الجانب الآخر تتشكل تحالفات إقليمية، الحوثي في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، وحزب الله في لبنان، تستند إلى قراءات ميثولوجية للتاريخ تنتظر خروج اليماني والخراساني لمواجهة السفياني.

ما يجري في الشرق الأوسط اليوم هو أخطر من حرب تقليدية. إنه نموذج لتحول الصراع السياسي إلى "واجب ديني" ملزم. عندما يؤمن نتنياهو وأنصاره بأنهم يعيشون مرحلة "مخاض المسيح"، وعندما يعتقد قادة البنتاغون أن قصفهم لإيران هو "إشعال لفتيلة عودة المسيح"، وعندما يرى خلفاء الخميني في إيران أنهم يعيشون مرحلة تمهيد الظهور وأن قتلاهم في الحرس الثوري هم شهداء معركة الخراساني المقدسة، فإن كل حسابات الردع التقليدية تنهار. الصراع لم يعد بين دول وأمم، بل بين نبوءتين تتقاتلان لتحقيق الخلاص، واحدة تنتظر المسيح المنتظر وأخرى تنتظر المهدي المنقذ.

وإذا لم يوقظ العقلاء في العالم ضمير الإنسانية قبل فوات الأوان، فإن "معركة هرمجدون" و"ملحمة السفياني والخراساني" ستتحولان من أساطير دينية إلى حقيقة نووية تدفع المنطقة والعالم بأسره ثمنًا باهظًا لا قبل لأحد به.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.