قد يُخيَّل للقارئ، بناءً على العنوان الإشكالي في الأعلى، بأن المكتوب في الأسفل له علاقة مباشرة بالأماكن السياحية التي يجتمع فيها عراقة الماضي برقي الحاضر، تلك المناطق التي يشعر السائح فيها بأنه يجمع بين زمنين في لحظةٍ واحدة، بينما العنوان ذاته ربما كان محط استغرابٍ جم لدى من عاشوا في القرى وعرفوا عتمة المغاور مقارنة بكلمة روناهي التي تأتي بمعنى: النور، الضياء، الشعاع، الإشراق. إلا أن هذا التناقض أو التنافر يبدو أنه شيء جوهري متعلق بطبيعة ما تقدمه هذه القناة، المحطة التي تذكّر المتابع الحذق بمن يتحدث عن حرية التعبير بالفم الملآن، وهو في الوقت عينه يضع كمَّامة مطاطية محكمة على فم شخصٍ ليس بمقدوره إيصال صوته لأحد بسبب كمامة صاحب الحرية.
وعدا عن التعارض الذي جئنا على ذكره، يظهر أن السجن الوهمي لبعض الناس نتيجة التطويق الإيديولوجي والإغلاق الفكري أو التجهيل المتعمَّد في هذا العصر، لا يختلف عن حال سجناء الأقبية العميقة المنقطعين عن العالم الخارجي، أو وضع نزلاء الكهف الذي تحدث عنه أفلاطون في الباب السادس من جمهوريته. وبما أن داء الانغلاق التام، أو ضيق الأفق الذي حاول أن يعالجه أفلاطون في كهفه وقتذاك، ما يزال موجوداً والمصابون به ليسوا بالعدد القليل، لذا قد تستمر البشرية في أكثر من منطقة من هذا العالم بالعودة إلى صيدلية أفلاطون لأخذ العقاقير منها بغرض معالجة مرضى زماننا هذا.
باعتبار أن ما يُطرح على بعض المنابر أو الصالونات أو الاجتماعات الحزبية، وكذلك الأمر ما تعرضه بعض القنوات التلفزيونية للمشتركين بها أو للمتعلقين بنهجها السياسي أو الديني، لا يختلف كثيراً عن ظلال كهف أفلاطون. بالرغم من أن المتلقي في هذا الزمن غير مقيَّد بالفرجة، ولا هو مجبر على استقبال نفس الذبذبات الصوتية، ولا هو في مكان نائي كسجن تدمر في سورية أو سجن نقرة السلمان في العراق، ولا هو محشور لوحده أو مع رهطه في جحرٍ تحت الأرض، حيث بمقدور المشاهد الانتقال من محطة إلى محطة تلفزيونية أخرى بلمح البصر إن أراد معرفة ماذا يجري في الجوار، وماذا يحدث على أرض الواقع. كما بمقدوره التأكد من صحة المعلومات التي تقدمها له هذه القناة أو تلك، وذلك من خلال التحريك يميناً أو شمالاً بجهاز التحكم. ولكن لماذا لا يفعل وهو غير مرغم على البقاء ماكثاً أمام كهفه التقني؟ قد يكون الجواب محيَّراً، ومع ذلك هو بمتناول أي شخص يعرف تركيبة هذه الفئة من الناس، ألا وهو أن العلة هي في التسليم الكلي لما تعرضه القناة عليهم، والإيمان الأعمى بإدارتها والمشرفين على منتجاتها.
وإذا كان الفيلسوف اليوناني قد قدّم للعالم صورة لمجموعة بشرية مقيّدة تعيش تحت الأرض أو في كهفٍ أو سجنٍ وهمي أو حقيقي يعيشون فيه ولا يرون غير الظلال المرسومة على جدار الكهف أمامهم، فبماذا يختلف عن تصوره، يا ترى، وضع أناسٍ من عصرنا هذا وهم ماكثون لا يبرحون أمام شاشة قنواتٍ معينة لا يحيدون عنها، ولا يشاهدون أي شيء مما يُعرض في ملايين القنوات الأخرى حول العالم عن سجناء كهف الفيلسوف؟ لا شيء. بل الوضع العقلي لهؤلاء الموهومين أسوأ بمراحل من الوضع الذهني لسكان مغارة الفيلسوف.
عموماً، فالنماذج كثيرة إذا ما توسعنا فيها، خاصة بالنسبة إلى مئات المحطات الدينية أو الإيديولوجية حول العالم، تلك التي تعمل بلا هوادة على سرنمة مشاهديها، وتضعهم في سجونٍ وهمية ارتضوا هم بأنفسهم المكوث بين قضبانها التقنية، وقرروا عدم الخروج منها بمحض إرادتهم. إنما سأتحدث هاهنا عن قناة واحدة ناطقة باللغة الكردية، ألا وهي محطة "روناهي" التلفزيونية، التي تتبع إيديولوجيا حزب العمال الكردستاني، والتي قال عنها يوماً مطرب الملاحم الكردية عبدالرحمن عمر (Bavê Selah) إنه لمعالجة انخفاض ضغط الدم بأسرع وأيسر السبل، فلا داعي للجوء إلى أدوية مثل: فلودروكورتيزون (Fludrocortisone) أو ميدودرين (Midodrine)، أو اللجوء إلى الأطعمة المملحة، أو السوائل بشكل عام، أو المشروبات الغنية بالكافيين، أو عرق السوس، أو الأطعمة الغنية بفيتامين ب12. إنما افرضوا على الشخص الذي نزل ضغطه بشكل كبير الفرجة لمدة ربع ساعة فقط على محطة "روناهي"، حينها سيرتفع ضغطه بأسرع وقت إلى ما فوق المستوى المطلوب؛ وذلك لما لهذه المحطة من تأثيرات مباشرة تطال ذهن المتلقي غير المؤدلج وغير المحقون بأمصال الفلسفة الأوجلانية التي تزحف صبح مساء في ممراتها.
في الأخير، لنفترض جدلاً أن ما قاله المطرب الراحل شيء مبالغ فيه، ولكن أليس واقع هذه المحطة راهناً يشير صراحةً إلى أن من يقومون بتغذيتها بالديباجات الجاهزة، ومن يُديرونها يرون بأن جمهورهم ليس أفضل من أولئك المقيدين في كهف الفيلسوف اليوناني منذ أكثر من ألفي سنة؟ وإلا فما معنى التجاهل التام من قبل الإدارة وكل العاملين في القناة المذكورة مصير عشرات الأسيرات لدى فصائل سلطة دمشق التي اندمجت معها قوات سورية الديمقراطية "قسد" غصباً عنها، في الوقت الذي قال فيه قائد قوات قسد مظلوم عبدي إنه "قد تم إبلاغه رسمياً بوجود 1070 أسيراً مدنياً وعسكرياً في السجون السورية"، أي أن الأسرى في سجون فصائل سلطة دمشق. علماً أن الأهالي نوهوا إلى أن عدد المفقودين والمفقودات أكثر بكثير من الرقم الذي أُعلن عنه من قبل سلطة دمشق.
كما أنه في الوقت الذي خرج فيه أهالي الأسرى والمفقودين بأكثر من مظاهرة في مدينة قامشلو وعامودة، محملين فيها الجهات العسكرية المسؤولية الكاملة عن مصير شبابهم وبناتهم، بما أن الجهات العسكرية في قسد اندمجت مع سلطة دمشق التي قامت فصائلها بعمليات الأسر، وفي وقت غليان الشارع الكردي بسبب الذي جرى لفلذات أكباد النسوة نتيجة الغدر والتنكيل والقتل والأسر على يد فصائل دمشق، بينما القناة اللاموقرة "روناهي" تجاهلت تماماً المظاهرات النسائية، وتجاهلت حرقة قلوب الأخوات، وتجاهلت صراخ الأمهات المفجوعات بأبنائهن وبناتهن، وتجاهلت كل الصور واليافطات المتعلقة بمصير الأسيرات والمفقودات، وراحت بمناسبة يوم المرأة العالمي الذي يصادف 8 آذار (مارس) وبلا حياءٍ تنشر في شريطها الإخباري هذه العواجل السمجة: "حرية القائد عبدالله أوجلان هدف 8 آذار (مارس) لهذا العام"، "حرية القائد أوجلان ستصبح انطلاقة لحملة نضال حرية المرأة في العالم".


