: آخر تحديث
قراءة في مخاطر الانزلاق وسبل النجاة:

العراق على حافة الحرب: كيف يتجنب الانجرار إلى صراع إيران وأميركا؟!

4
3
2

يجد العراق نفسه في مطلع عام 2026 أمام واحدٍ من أخطر الاختبارات الإستراتيجية منذ عقود؛ إذ تتصاعد نذر الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما يدفع ببلاد الرافدين مرةً أخرى إلى واجهة الأحداث بوصفها ساحةً محتملة لتصفية الحسابات الكبرى.

فمع بدء الضربات المشتركة الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 شباط (فبراير) 2026، وما أعقبها من تطورات دراماتيكية شملت مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي وتصاعد الردود الإيرانية عبر حلفائها في المنطقة، دخل العراق عملياً دائرة الخطر المباشر. فقد شهدت أراضيه بالفعل هجماتٍ على قواعد عسكرية تستضيف قواتٍ أميركية، وردوداً عسكرية مضادة استهدفت مواقع مرتبطة بفصائل مسلحة داخل البلاد.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يسعى العراق رسمياً إلى الحفاظ على موقف الحياد، غير أن جملةً من العوامل الداخلية والإقليمية تجعل هذا الحياد هشاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول العراق إلى ساحةٍ مفتوحة لضرباتٍ استباقية أو انتقامية تهدد أمنه واستقراره السياسي والاقتصادي.

أولاً: العوامل الجاذبة للعراق نحو الصراع

تتداخل مجموعة من العوامل البنيوية والظرفية التي تجعل من الصعب على العراق البقاء بعيداً عن هذا الصراع الإقليمي المتصاعد، والذي بدأ بالفعل يلقي بظلاله على الأراضي العراقية عبر هجماتٍ متبادلة بين أطراف النزاع.

1- الارتباط الأيديولوجي للفصائل المسلحة

تتبنى بعض الفصائل المسلحة المنضوية تحت ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق" مبدأ "وحدة الساحات"، الذي يقوم على اعتبار أي استهداف لإيران أو لحلفائها في المنطقة بمثابة استهداف مباشر يستوجب الرد من مختلف الجبهات، بما فيها الساحة العراقية.

وخلال الأيام الأولى من التصعيد، شنت فصائل عراقية مدعومة من إيران، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، هجماتٍ صاروخية وبطائراتٍ مسيّرة على قواعد عسكرية أميركية داخل العراق. وقد استدعى ذلك ردوداً أميركية وإسرائيلية استهدفت مواقع مرتبطة بإيران أو بفصائل حليفة لها داخل الأراضي العراقية.

هذا التداخل العضوي بين بعض الفصائل العراقية والمحور الإيراني يجعل العراق، عملياً، ساحةً مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية، وهو ما يضع الدولة العراقية أمام تحدٍ خطير يتمثل في قدرتها على احتكار قرار الحرب والسلم داخل حدودها.

2- الجغرافيا السياسية

يقع العراق في قلب المسار الحيوي للصواريخ والطائرات المسيّرة المتبادلة بين أطراف النزاع، ما يجعل أجواءه وأراضيه عرضةً للاستخدام العسكري سواء في إطار العمليات الدفاعية أو الضربات الاستباقية.

فعلى سبيل المثال، أطلقت إيران صواريخ باليستية عبرت الأجواء العراقية باتجاه الأراضي المحتلة، في حين تعرضت مناطق في شمال العراق لضرباتٍ إيرانية متكررة استهدفت جماعاتٍ معارضة كردية إيرانية، مثل حزب كوملة والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني.

هذا الواقع الجغرافي المعقد يحول الأراضي العراقية، من دون إرادةٍ حكومية مباشرة، إلى ممرٍ أو ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يشكل انتهاكاً متكرراً للسيادة العراقية ويزيد من احتمالات الانجرار إلى الصراع.

3- التواجد الأميركي المتحول

بالرغم من إخلاء قاعدة عين الأسد من القوات الأميركية المقاتلة في كانون الثاني (يناير) 2026 تنفيذاً للاتفاقات السابقة، إلا أن وجود مستشارين عسكريين أميركيين وقوات حليفة في مواقع إستراتيجية أخرى، مثل قاعدة حرير في أربيل، ما زال يمثل نقطة احتكاك محتملة.

ومع إعادة تمركز القوات الأميركية جزئياً في إقليم كردستان، أصبحت هذه المناطق هدفاً محتملاً للهجمات الإيرانية أو لهجمات الفصائل المسلحة الموالية لها، وهو ما يضاعف من هشاشة الوضع الأمني في الإقليم ويزيد من احتمالات توسع دائرة المواجهة داخل الأراضي العراقية.

4- الهشاشة البنيوية للدولة العراقية

يواجه العراق معضلةً بنيوية معقدة تتمثل في تشابك اعتماده الاقتصادي بين طرفي الصراع.

فمن جهة، يعتمد العراق بشكلٍ كبير على الغاز والكهرباء الإيرانيين لتشغيل محطات الطاقة، ما يجعله عرضةً للضغط الإيراني في أوقات الأزمات.

ومن جهةٍ أخرى، يرتبط النظام المالي العراقي بشكلٍ شبه كامل بالنظام المصرفي الأميركي وبالدولار، ما يمنح واشنطن نفوذاً واسعاً على الاقتصاد العراقي.

ومع تصاعد التوترات في المنطقة وإغلاق بعض الممرات البحرية جزئياً، ارتفعت أسعار النفط عالمياً، إلا أن هذه الزيادة لا تعوض المخاطر الكبيرة التي تهدد الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بشكلٍ شبه كلي على تصدير نحو أربعة ملايين برميل نفط يومياً.

وتشير تقارير أولية إلى إغلاق حقل الرميلة – أكبر حقول العراق النفطية – مؤقتاً لأسبابٍ أمنية، وهو ما يعكس مدى هشاشة البنية الاقتصادية في ظل أي تصعيد عسكري إقليمي.

ثانياً: المخاطر الوجودية للانخراط في الحرب

إن انجرار العراق إلى هذا المستنقع الإقليمي لن يكون مجرد أزمةٍ عابرة، بل قد يفضي إلى سلسلةٍ من النتائج الكارثية التي تمس مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية، خاصة مع احتمالات توسع رقعة الصراع إلى دول الجوار مثل دول الخليج ولبنان وسوريا.

1- المخاطر العسكرية والأمنية

تتعرض المدن والبنى التحتية الحيوية في العراق لخطر الضربات الاستباقية التي قد تستهدف مخازن سلاحٍ أو معسكراتٍ تابعة للفصائل المسلحة، تحت ذرائع منع نقل الأسلحة أو الحد من تهديد المصالح الأميركية أو الإسرائيلية.

كما يبرز خطر عودة تنظيم داعش الإرهابي إلى النشاط مجدداً، مستغلاً حالة الانشغال الأمني والفراغ الذي قد ينشأ نتيجة الصراع، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.

ومن السيناريوهات الأكثر خطورة أيضاً احتمال تصاعد التوترات في شمال العراق نتيجة الضربات المتبادلة بين إيران والجماعات الكردية المعارضة، ما قد يفتح الباب أمام نزاعاتٍ إقليمية داخل الأراضي العراقية أو حتى اقتتال داخلي بين فصائل مسلحة مختلفة.

2- المخاطر الاقتصادية والمعيشية

قد تستخدم الولايات المتحدة ما يُعرف بـ"سلاح الدولار" كورقة ضغطٍ على العراق في حال اعتبرت أن أراضيه تُستخدم لتهديد مصالحها أو مصالح حلفائها.

وفي مثل هذا السيناريو، قد تقيد واشنطن وصول العراق إلى احتياطياته المالية في البنوك الأميركية، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار قيمة الدينار العراقي. وتشير بعض السيناريوهات السابقة إلى إمكانية ارتفاع سعر الدولار إلى أكثر من 1600 دينار، مقارنةً بمستوى يقارب 1310 دينار حالياً.

كما أن أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز أو استهداف ناقلات النفط قد يهدد قدرة العراق على تصدير نفطه، وهو ما يعني عملياً عجز الحكومة عن دفع رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين.

إلى جانب ذلك، فإن تعطل حركة الاستيراد والتصدير سيؤدي إلى شحٍ في السلع الأساسية وارتفاعٍ كبير في الأسعار، وهو ما قد يفاقم الأوضاع الاجتماعية ويزيد من احتمالات الاضطرابات الداخلية.

3- المخاطر السياسية والاجتماعية

يهدد التصعيد الإقليمي بحدوث شرخٍ وطني عميق داخل الساحة السياسية العراقية، خاصة في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي وعدم الاستقرار الحكومي.

فلا تزال الخلافات قائمة حول اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، كما أن تأخر الانتخابات الرئاسية بسبب الخلافات الكردية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أدى إلى فراغٍ سياسي في وقتٍ بالغ الحساسية.

كما أن الرفض الأميركي والغربي لعودة شخصياتٍ مثل نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء يعمق حالة الشلل السياسي ويجعل العراق أكثر عرضةً للتدخلات الخارجية، وقد يؤدي إلى انقسام القوى السياسية بين محورين متنافسين: محور يميل إلى إيران وآخر يفضل الحفاظ على العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

ثالثاً: خارطة طريق للنجاة (مسؤولية الحكومة)

لمنع انزلاق العراق إلى أتون هذا الصراع، ينبغي على الحكومة العراقية التحرك بسرعة وبشكلٍ استباقي عبر أربعة مسارات متوازية ومتكاملة.

1- المسار السيادي والأمني

تفعيل قرارات المجلس الوزاري للأمن الوطني بحصر قرار السلم والحرب بيد القائد العام للقوات المسلحة حصراً.

منع أي جهةٍ غير حكومية من اتخاذ قراراتٍ عسكرية قد تستدرج البلاد إلى مواجهة إقليمية.

تعزيز منظومات الدفاع الجوي العراقية عبر صفقاتٍ نوعية، مثل الاتفاقات مع كوريا الجنوبية لتزويد العراق بأنظمة دفاع جوي متطورة.

منع استخدام الأراضي والأجواء العراقية كمنطلقٍ لشن هجمات على دول الجوار، مع فرض رقابةٍ ميدانية صارمة على تحركات الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة.

2- المسار الدبلوماسي والدولي

تبني سياسة الحياد الإيجابي المعلن، والعمل على لعب دور الوسيط لخفض التصعيد بين طهران وواشنطن، مستفيداً من تجربة العراق السابقة في تسهيل الحوار الإيراني-السعودي.

توثيق جميع الانتهاكات التي تتعرض لها السيادة العراقية وتقديمها إلى مجلس الأمن الدولي لبناء موقفٍ قانوني يحمي العراق.

تفعيل الدور الدبلوماسي عبر الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لحشد دعمٍ إقليمي يحفظ استقرار العراق.

3- المسار السياسي الداخلي

الإسراع في إنهاء حالة الانسداد السياسي والتوافق على اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، لضمان وجود حكومةٍ كاملة الصلاحيات قادرة على إدارة الأزمة.

دعوة القوى السياسية إلى توقيع ميثاق شرفٍ وطني يلتزم بتحييد العراق عن الصراعات الإقليمية.

وضع برنامجٍ واقعي لدمج الفصائل المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية للدولة ضمن جدولٍ زمني واضح، بما يعزز احتكار الدولة للسلاح.

4- المسار الاقتصادي الطارئ

تأمين طرقٍ برية بديلة للتجارة عبر الأردن وتركيا تحسباً لإغلاق الممرات البحرية.

تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني عبر مشاريع استيراد الغاز المسال وتطوير حقول الغاز العراقية.

التنسيق المستمر مع البنك الفيدرالي الأميركي والمؤسسات المالية الدولية لضمان استقرار العملة العراقية.

بناء احتياطياتٍ إستراتيجية من الغذاء والوقود والأدوية لمواجهة أي اضطرابٍ محتمل في سلاسل التوريد العالمية.

الخاتمة

إن النجاة من هذا الصراع الإقليمي المتصاعد تتطلب إرادةً سياسية عراقية وطنية صلبة، ورؤيةً إستراتيجية تضع مصلحة العراق فوق حسابات المحاور الإقليمية.

فالعراق اليوم يقف عند مفترق طرقٍ تاريخي:

إما أن يتحول مرةً أخرى إلى ساحة لصراعات الآخرين، أو أن ينجح في تثبيت معادلة الحياد والسيادة، ليبقى عامل استقرار في منطقةٍ تعصف بها الأزمات.

إن تجاهل هذه التحديات أو التباطؤ في معالجتها قد يقود إلى كارثةٍ وطنية تتجاوز آثارها حدود العراق، لتطال الاستقرار الإقليمي بأكمله، وتعيد الشعب العراقي إلى دوامة حروبٍ لا ناقة له فيها ولا جمل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.