في السياسة لا تُقاس المواقف بالكلمات الكبيرة، بل بما تختار أن تغضب له، وما تختار أن تصمت عنه. وبيان جبهة العمل الإسلامي الأخير قدّم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة المقلقة.
البيان جاء مشتعلاً بالغضب دفاعاً عن إيران ضد ما وصفه بالعدوان الأميركي–الإسرائيلي. لغة قاسية وإدانات متتالية توحي وكأن الجبهة تخوض معركة سياسية دفاعاً عن طهران أكثر مما تدافع عن بلدها.
لكن عندما يصل الحديث إلى الأردن تختفي الحدة فجأة.
جاء في البيان توصيف ما حدث لإيران بأنه عدوان إجرامي ومجازر بحق الشعب الإيراني، ويتحدث عن "مشاريع الهيمنة الصهيو-أميركية" و"استهداف الأمة جمعاء". لغة سياسية مشحونة بالاتهام والتصعيد، تضع إيران في موقع الضحية التي يجب الدفاع عنها بقوة.
عند قراءة البيان بدقة يظهر الفرق الواضح بين لغة الغضب عندما يتعلق الأمر بإيران، ولغة التحفظ عندما يتعلق الأمر بالأردن. وهنا تتغير اللغة بشكل لافت. لا نجد مفردات الغضب ذاتها ولا نبرة التصعيد نفسها، بل عبارة مقتضبة تقول: إدانته لأي اعتداء أو مساس بالأراضي الأردنية والسيادة الوطنية.
الفرق هنا ليس في الموقف المعلن فقط، بل في درجة الانفعال السياسي. إيران حظيت بوصف المجازر والعدوان الإجرامي، بينما حظي الأردن بعبارة دبلوماسية مختصرة هي رفض أي اعتداء.
وفي وقت تعيش فيه المنطقة على وقع الصواريخ والتصعيد، وتواجه فيه المملكة تحديات أمنية حساسة، كان المنتظر خطاباً واضحاً يؤكد أن سيادة الأردن خط أحمر لا يقل خطورة عن أي قضية أخرى في المنطقة.
وعدا عن البيان نفسه، يبرز سؤال آخر يتعلق بالموقف العلني لقيادة الحزب. فقد كان رئيس الحزب نشطاً في تسجيل فيديوهات وتصريحات متكررة لنصرة غزة وإدانة العدوان الإسرائيلي، وهو موقف لا يعترض عليه أحد، فالقضية الفلسطينية كانت ولا تزال قضية مركزية بالنسبة إلى الأردنيين.
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم: لماذا لم نشهد الحضور ذاته أو الصوت نفسه عندما تعلق الأمر بما يُثار حول الاعتداء على سيادة الأردن؟ لم يظهر تسجيل واضح، ولا تصريح مباشر، ولا موقف علني يحمل النبرة ذاتها من الغضب أو الاستنكار. وهنا لا يتعلق الأمر بالمقارنة بين قضيتين، بل بمسألة ترتيب الأولويات في الخطاب السياسي.
فالدفاع عن القضايا العربية لا يتعارض مع الدفاع عن الأردن، بل يبدأ منه. والأردنيون بطبيعتهم يقفون مع فلسطين وغزة، لكنهم يتوقعون في الوقت نفسه أن يكون الصوت الأعلى دائماً عندما يتعلق الأمر بسيادة وطنهم وأمنه واستقراره.
وهنا تكمن المفارقة. فالمشكلة ليست في إدانة العدوان على أي دولة، بل في أن يصبح الغضب لإيران أعلى صوتاً من الغضب للأردن نفسه. وهذا ما يفتح باباً واسعاً للنقاش حول ترتيب الأولويات في الخطاب السياسي.
فعندما تتقدم القضايا الإقليمية على الدولة الوطنية، يتحول البلد، دون أن يشعر البعض، من وطن إلى مجرد ساحة في صراع أكبر. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في منطقة تعيش أصلاً فوق خطوط اشتباك مفتوحة.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما نتذكر أن الدولة الأردنية سبق أن طلبت من الجماعة تغيير اسم "جبهة العمل الإسلامي". لم يكن ذلك مجرد خلاف إداري، بل نقاشاً أعمق حول العلاقة بين العمل الحزبي والدولة الوطنية.
فالاسم يعكس مشروعاً سياسياً عابراً للحدود، بينما تقوم الدولة الحديثة على أحزاب تعمل داخل إطار وطني واضح، تضع مصالح البلد الذي تنشط فيه فوق أي اعتبارات أخرى.
من هنا يصبح السؤال أكثر حساسية اليوم: إذا كان الحزب يعمل في الأردن وتحت سقف الدولة الأردنية، فمن الطبيعي أن تكون أولوية خطابه السياسي الدفاع عن الأردن أولاً، لا الانخراط في صراعات إقليمية يبدو فيها الغضب لغير الأردن أعلى من الغضب له.
الأردنيون لا يطلبون من أي تيار سياسي تغيير قناعاته الأيديولوجية، لكنهم يتوقعون شيئاً واحداً لا يقبل الجدل: أن يكون الأردن هو الأولوية المطلقة.
فالدول لا تُحمى بالشعارات العابرة للحدود، بل بولاء واضح لا يختلط فيه الوطن بأي مشروع آخر. ولهذا يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل ترى الجبهة الأردن وطناً يجب الدفاع عنه أولاً؟ أم محطة داخل معركة إقليمية أوسع؟
في لحظات التوتر الكبرى لا تبقى منطقة رمادية: إما أن يكون الأردن أولاً بلا تردد، أو أن يُقرأ الصمت باعتباره موقفاً بحد ذاته. فالتاريخ لا ينسى من رفع صوته دفاعاً عن وطنه، ولا ينسى أيضاً من ارتفع صوته عندما تعلق الأمر بغيره.


