في مشهد غير مسبوق يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، تعيش العاصمة الإيرانية طهران حالةً من الشلل الاستراتيجي عقب سلسلة الضربات التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي، بالتزامن مع تصفية الصف الأول من القيادة العسكرية. وفي موجز عاجل على شبكة "CNN" الأميركية، وُصفت الأحداث بأنها "الضربة الأكثر دقةً وتدميراً للبنية التحتية السيادية في إيران منذ تأسيس الجمهورية"، مؤكدةً مقتل القائد العام للحرس الثوري اللواء محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زادة، ومستشار الأمن القومي علي شمخاني.
وأمام هذا الفراغ المفاجئ، سارعت المؤسسات الإيرانية لمحاولة احتواء الصدمة، حيث نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" بياناً مقتضباً يفيد بتفعيل المادة 111 من الدستور، وتشكيل "مجلس القيادة المؤقت" لإدارة صلاحيات المرشد. وضم المجلس كلاً من الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي، الذي تم استدعاؤه لملء المقعد الفقهي الإلزامي واكتمال النصاب.
وفي تعليق على هذه الخطوة، صرّح مصدر استخباراتي أوروبي لصحيفة "وول ستريت جورنال" بأن "المجلس الثلاثي يمتلك الشرعية الدستورية لتسيير الأعمال، لكنه يفتقد للسيطرة الميدانية الحقيقية على مفاصل الحرس الثوري، مما يجعله مجرد واجهة تحاول شراء الوقت وضبط الإيقاع الداخلي حتى التئام مجلس خبراء القيادة".
وتشير التسريبات التي أوردتها وكالة "رويترز" إلى وجود انقسام حاد داخل كواليس مجلس الخبراء، حيث يتنافس تياران رئيسيان: الأول يدفع بمجتبى خامنئي مدعوماً بما تبقى من الشبكات العميقة للحرس الثوري لضمان استمرار القبضة الأمنية، والثاني يميل نحو خيار التسوية المؤسسية المتمثل في علي رضا أعرافي لتهدئة الشارع الحوزوي وتجنب تصدع النظام عبر فكرة توريث السلطة.
الموقف السعودي: مراقبة دقيقة ودعوة لاستقرار المجال الحيوي
في خضم هذه التحولات المتسارعة، برز الموقف السعودي متسماً بالهدوء الاستراتيجي والوضوح، حيث نقلت وكالة الأنباء السعودية "واس" بياناً رسمياً لوزارة الخارجية يؤكد أن "المملكة تتابع عن كثب وباهتمام بالغ التطورات الداخلية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، مشدداً على "أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي وتجنيب المنطقة تداعيات الفراغ المؤسسي".
وفي السياق ذاته، أشار تقرير سياسي بثته قناة "الإخبارية" السعودية إلى أن الرياض تتعامل مع المشهد من منطلق حماية أمنها القومي ومجالها الحيوي، وتدعو المجتمع الدولي للقيام بدوره لضمان عدم استغلال الفصائل والميليشيات المسلحة لهذا الظرف الانتقالي لخلق بؤر توتر جديدة، مؤكدةً ضرورة العزل الاستراتيجي لأي ارتدادات عشوائية قد تمس أمن دول الجوار.
التداعيات الاستراتيجية والإقليمية
لم تقتصر ارتدادات هذا الزلزال على الداخل الإيراني، بل امتدت لتضرب شبكة الأذرع الإقليمية في المنطقة. ويمكن تلخيص أبرز التداعيات وفقاً لتقارير مراكز الدراسات الجيوسياسية المتابعة للأزمة:
انقطاع خطوط التوجيه الإقليمي
أشار تقرير صادر عن "معهد دراسات الحرب" "ISW" إلى أن مقتل القيادة العسكرية العليا أدى إلى قطع فوري في تدفقات الموارد والأوامر المركزية بين طهران ووكلائها في اليمن والعراق وسوريا. الميليشيات باتت معزولة ميدانياً، وتُركت لتواجه مصيرها دون غطاء استراتيجي واضح.
الانكفاء التكتيكي الإيراني: توقعت شبكة "بلومبرغ" في تحليلها الأخير أن يلجأ المجلس المؤقت إلى تجميد كافة الجبهات الخارجية لتقليل الخسائر. الأولوية القصوى الآن في طهران هي منع الانهيار الداخلي، مما يعني تجريد الفصائل الإقليمية من أي دعم هجومي قد يورط طهران في مواجهة عسكرية لا تملك حالياً قيادة فاعلة لإدارتها.
إعادة تشكيل معادلة الردع: نقلت صحيفة "الفايننشال تايمز" عن دبلوماسيين في المنطقة أن هذا الشلل التشغيلي في طهران يفتح نافذة زمنية حاسمة للقوى الإقليمية الكبرى لفرض سياسات احتواء صارمة تجاه الفصائل التي فقدت بوصلتها، وملء الفراغ الجيوسياسي لضمان استقرار الإقليم.
الخلاصة
غياب العقدة المركزية لصنع القرار يضع النظام الإيراني في سباق محموم مع الزمن للحفاظ على ما تبقى من تماسك مؤسساته، في حين يعيد هذا الفراغ تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط، ليطوي صفحة كاملة من التدخلات المركزية الموجهة، ويفتح الباب أمام ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.


