: آخر تحديث

لبنان تحت النار ... وحزب الله ليس بريئاً!

7
6
6

"هل تعتقدون أن صليةً صاروخيةً تستحق حرباً؟"، بهذه العبارة حاول الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن يبرّر جرّ لبنان إلى حرب، نعرف كيف بدأت، ولكن لا نعرف كيف ستنتهي.

إذا كانت حجّةً تذرّعت بها إسرائيل، لمَ أعطيتها إياها؟ ومن أجل من؟ نظام طهران؟ لو كان الحزب يدافع عن نفسه، لفهمنا، ولكن أن يبادر هو، وسط هذا التوتر الإقليمي، لينتقم لمقتل خامنئي، فذلك توريطٌ متعمّد يضع مصير بلدٍ بأكمله في مهب المجهول، وأول من يدفع ثمنه بيئة حزب الله التي وجدت نفسها وقوداً لصدام لم تُستشر فيه، من الجنوب إلى الضاحية، وصولاً إلى كل بقعة أُجبر أبناؤها على إخلائها.

هذه البيئة، التي تطوف الطرقات بحثاً عن مأوى، قد لا تعبّر عن استيائها ممن تسبّب بتقويض أمانها، وقد يكون البعض فيها راضياً من منطلق عقائدي، ولكن هناك فئةً كبيرةً جداً من اللبنانيين غاضبةٌ جداً، ومن حقّها أن تغضب، فحزب الله، الذي يدّعي أنه مقاومة تحمي حدود بلادهم الجنوبية، هو في الحقيقة، ومنذ 2006، يستدرج الحرب إلى لبنان، وكأنه بذلك يحاول أن يعطي مبرراً لوجوده. من يدّعي أنه مقاومة هو في الحقيقة ذراعٌ إيرانية، تارةً تستقوي على الداخل بسطوة السلاح، وتارةً أخرى تجلب الخراب لبلد الـ 10452 كلم مربع، هذا إن بقيت هذه مساحة لبنان، بعد الارتهان لموازين القوى الإقليمية غير المحسوبة النتائج.

في مقابل أصوات الغضب هذه، هناك من يخرج ويدافع عن حزب الله ويبرّر له. الاختلاف بالرأي حقٌ مشروع، ولكن أن يكون ما يقال مبنياً على حقائق.

في مفارقةٍ لافتة، استوقفني خطابٌ تروّج له بعض الأصوات التي لطالما قدمت نفسها كنموذج للعلمانية والحريات الفردية، لتجدها اليوم تصطّف في خندق الدفاع عن مشروع يتناقض جوهرياً مع قيّمها المعلنة. المثير للاستغراب هو لجوء هؤلاء، بمنطق الاستعلاء الأخلاقي، إلى خطابٍ تخويني يهاجم اللبنانيين الرافضين للحرب، لمجرّد تمسكهم بحق بلدهم بالأمان، في محاولةٍ لقلب الحقائق وتبرير توريط البلاد في صراعٍ لا قرار له فيه. ولكن هؤلاء يغفلون لبّ الحقيقة، أن من قوّض ويقوّض أمن الجنوبيين ويتسبّب بتهجيرهم من قراهم في كل مرة، هو حزب الله، وليس اللبنانيين الذين يعيشون على وضعية البقاء أو ما يعرف بالـ survival mode وسط كل ما يمرّ به هذا البلد الصغير من أزمات تفوق قدرة أي إنسان على تحمّلها، من الانهيار الاقتصادي إلى انعدام الأمان الذي يعيشه اللبنانيون منذ سنوات، من حرب تموز 2006، مروراً بالاغتيالات، وانفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى الحرب الآن، وفيها كلها تثبت المعطيات والتحقيقات الاستقصائية أن حزب الله متورّط بدماء اللبنانيين ومساهمٌ بتعميق أزماتهم.

لا يمكن فهم المأساة اللبنانية كحوادث منفصلة، بل هي مشهدٌ متصل من سلب السيادة وتجيير مقدرات الدولة لصالح "الأجندة العابرة للحدود". إن الحقائق الصادمة التي يواجهها اللبنانيون اليوم ليست وجهات نظر، بل هي وثائق إدانة محفورة في ذاكرة البلد.

ففي عام 2021، وفي الوقت الذي صنّف البنك الدولي أزمة لبنان الاقتصادية كواحدةٍ من أشد ثلاث أزمات في العالم منذ عام 1850، استمر الحزب في حماية منظومة التهريب غير الشرعية عبر الحدود، مما استنزف الاحتياطي النقدي والسلع المدعومة.

ولم يتوقف استنزاف لبنان عند حدود السيادة والاقتصاد، بل امتد ليشمل تحويل البلاد إلى منصةٍ لتصدير السموم؛ حيث وثّقت تقارير دولية وعربية تورّط شبكاتٍ مرتبطةٍ بحزب الله في إنتاج وتهريب مخدر "الكبتاغون" بكمياتٍ هائلة إلى دول الخليج العربي. هذه التجارة، التي قُدّر حجمها بمليارات الدولارات، لم تكن مجرد وسيلةٍ لتمويل أنشطة الحزب الالتفافية على العقوبات الدولية، بل كانت خنجراً مسموماً في خاصرة علاقات لبنان التاريخية مع عمقه العربي، مما أدى إلى فرض قيودٍ تجارية ودبلوماسية قاسية عزلت لبنان وأفقدته رئته الاقتصادية الأساسية، ووضعت سمعة اللبنانيين ومصالحهم في الاغتراب على المحك كرمى لمصالح ميليشياوية عابرة للحدود.

هذا ليس كل شيء، ففاجعة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب (أغسطس) عام 2020 لم تكن مجرد إهمال إداري، بل تعبيراً صارخاً عن اختطاف مرافق الدولة وتحويلها إلى بنيةٍ تحتية لخدمة "المجهود العسكري" العابر للحدود. فبينما كانت الرواية الرسمية تحاول حصر الكارثة في نتراتٍ منسية، كشف تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI أن ما انفجر فعلياً هو 552 طناً فقط من أصل 2754 طناً من نترات الأمونيوم التي دخلت المرفأ. هذه الفجوة الرقمية الهائلة (2202 طناً) تتقاطع مع تحقيقاتٍ استقصائية دولية ربطت بين الشركات الوهمية التي اشترت الشحنة وبين شبكة رجال أعمال يدورون في فلك النظام السوري السابق، الحليف العضوي لحزب الله؛ ما يعزز فرضية استخدام المرفأ كـ "محطة ترانزيت" آمنة لتهريب المتفجرات. إن الاستماتة التي أبداها الحزب في تعطيل التحقيق، بدءاً من التهديد المباشر للقاضي طارق البيطار وصولاً إلى شلّ المسار القضائي بالكامل، ليست إلا "بصمة إدانة" سياسية تؤكد أن كشف الحقيقة كان سيعرّي آليات عمل الدويلة داخل هيكل الدولة المنهار.

هذه الوقائع وغيرها تثبت أن ولاء حزب الله لم يكن يوماً للبلد الذي يعيش تحت سمائه، وهو مستعدّ للتضحية ببلدٍ وشعبٍ برمته، كرمى لبقائه، خدمةً لأجندة ولاية الفقيه في المنطقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.