: آخر تحديث

الخليج يختار الحكمة وكلفة التوتر تتكشف!

4
4
5

ليست الأزمات في منطقتنا أمراً جديداً، فقد اعتاد الشرق الأوسط على موجات من التوتر والتصعيد عبر تاريخه الحديث.

غير أن ما يميز كل مرحلة ليس حجم الأزمة بقدر ما يميزها الأسلوب الذي تُدار به، ففي أوقات الاضطراب تتكشف معادن الدول، ويظهر الفارق بين من يقود الأحداث بعقلٍ باردٍ وحكمةٍ سياسية، ومن يندفع خلف حسابات قصيرة المدى قد تزيد المشهد تعقيداً.

وفي خضم التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، برزت مواقف دول الخليج العربي بوصفها نموذجاً لسياسة الاتزان التي لا تنجرف وراء ردود الفعل السريعة، بل تنطلق من رؤية أوسع تدرك أن أمن المنطقة واستقرارها ليس قضيةً عابرة، بل إنه مسؤولية تاريخية تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة وبعد النظر، وفي مقدمة هذه المواقف تأتي السياسة التي تنتهجها المملكة العربية السعودية، التي أثبتت في أكثر من محطة أنها تدير الأزمات بروح الدولة التي توازن بين الحزم والحكمة، وتحافظ في الوقت ذاته على استقرار المنطقة ومصالح شعوبها.

وقد جاءت التطورات المرتبطة بالتصعيد الإيراني وما تبعها من رسائل واعتذارات دبلوماسية لتطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة القرار السياسي داخل إيران، خاصة في ظل الدور الواسع الذي تلعبه مؤسسات عسكرية نافذة مثل الحرس الثوري الإيراني في ملفات إقليمية متعددة، وهو واقع يجعل كثيراً من المراقبين يتساءلون عن مدى قدرة الخطاب السياسي وحده على معالجة تداعيات الأزمات ما لم يترافق مع مراجعة حقيقية للسياسات التي أدت إليها.

فالاعتذار في عالم السياسة لا تُقاس قيمته ببلاغة الكلمات أو حرارة العبارات، بل بما يترتب عليه من تغيّر في السلوك والمواقف. والمنطقة اليوم ليست بحاجة إلى بيانات دبلوماسية بقدر حاجتها إلى خطوات عملية تعيد بناء الثقة وتؤكد احترام سيادة الدول وحسن الجوار.

وفي المقابل، تبدو المقاربة الخليجية أكثر وضوحاً واتزاناً. فدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم تتعامل مع هذه التطورات بمنطق التصعيد، بل حافظت على نهجها القائم على حماية الاستقرار الإقليمي وترك أبواب الحوار مفتوحة، إدراكاً منها أن أمن الخليج لا يمكن أن يتحقق عبر المغامرات السياسية، بل عبر التوازن والحكمة وبناء جسور الثقة بين دول المنطقة.

ولم تكن دول الخليج يوماً خصماً طبيعياً لإيران، بل على العكس، كانت دائماً منفتحة على بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن التوتر لا يصنع نفوذاً دائماً، وأن الدول التي تراهن على الأزمات تجد نفسها في نهاية المطاف أمام دوائر متزايدة من الشك والقلق يصعب الخروج منها.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بما جرى، بل بما يمكن أن يحدث مستقبلاً: هل تتجه المنطقة نحو مرحلة جديدة من التهدئة وبناء الثقة، أم تبقى رهينة حسابات التوتر التي لا رابح فيها؟

وفي مثل هذه اللحظات الحساسة، تبرز أيضاً مسؤولية الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فالكلمة في زمن الأزمات ليست مجرد تعليق عابر، بل قد تكون عاملاً في تهدئة النفوس أو تأجيجها. ولهذا فإن الرصانة الإعلامية تصبح ضرورة، لأن الفتنة إذا اشتعلت يصعب على الجميع إخمادها.

لقد أثبتت التجربة أن الاستقرار لا يصنعه التصعيد، وأن الحكمة السياسية هي الطريق الأقصر لحماية مصالح الشعوب وصون أمن الأوطان. وقد برهنت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية بقيادتها وشعبها، بأن إدارة الأزمات بعقلانية واتزان يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من ضجيج التوترات العابرة.

أما الاعتذارات التي تأتي بعد التصعيد، فإن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بما يقال فيها، بل بما يتغير بعدها من سياسات ومواقف.

فالمنطقة اليوم تقف أمام خيار واضح: إما أن تنتصر لغة الدولة والحكمة، أو أن تبقى رهينة دوائر التوتر التي لا تجلب سوى مزيد من القلق وعدم الاستقرار.

ويبقى الأمل قائماً بأن تدرك جميع الأطراف أن أمن الخليج واستقراره ليس شأناً إقليمياً فحسب.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.