: آخر تحديث

المرأة اللبنانية في زمن الحرب: حارسة الحياة تحت النار

4
5
5

حين يأتي اليوم العالمي للمرأة في بلد يعيش على إيقاع الحرب، لا يكون مناسبة للاحتفال بقدر ما يتحول إلى لحظة تأمل عميق في معنى البقاء. ففي لبنان، حيث يتصاعد التوتر العسكري بين حزب الله وإسرائيل، تقف المرأة اللبنانية في قلب المشهد لا بوصفها متفرجة على الأحداث، بل بوصفها إحدى أكثر الفئات تحمّلاً لنتائجها. فالحرب، مهما بدت في ظاهرها مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، تتحول في حقيقتها إلى اختبار قاسٍ لحياة المدنيين، وفي مقدمتهم النساء اللواتي يجدن أنفسهن أمام مسؤوليات مضاعفة في لحظات الخطر.

المرأة اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة عن قسوة التاريخ. فمنذ سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، مروراً بالأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد، وصولاً إلى الانهيار المالي في السنوات الأخيرة، كانت المرأة دائماً في الصف الأول من معركة البقاء. غير أن الحرب الراهنة أعادت فتح جرح قديم في الذاكرة الجماعية: جرح النزوح والخوف من المجهول، ذلك الجرح الذي ظنّ اللبنانيون يوماً أنه أصبح جزءاً من الماضي.

ومع تصاعد الغارات والتوترات العسكرية في جنوب لبنان، اضطر آلاف اللبنانيين إلى مغادرة بيوتهم بحثاً عن الأمان في مناطق أخرى. وفي كل موجة نزوح تتكرر الصورة ذاتها: امرأة تجمع ما تيسر من الأغراض، تحمل طفلها بيد، وتمسك بذكريات بيتها باليد الأخرى، وتسير نحو طريق لا تعرف نهايته. فالبيت بالنسبة إلى المرأة ليس مجرد جدران، بل هو عالم كامل من التفاصيل اليومية التي صنعتها بجهد وصبر. وعندما تضطر إلى تركه، فهي لا تفقد مكاناً للسكن فقط، بل تفقد جزءاً من استقرارها النفسي والإنساني.

وربما لهذا السبب تحمل نساء اليوم في حقائب النزوح ذات الخوف الذي حملته أمهاتهن قبل عقود، وكأن الحروب في لبنان لا تنتهي تماماً، بل تنتقل من جيل إلى جيل مثل ظل ثقيل يرافق الذاكرة.

ومع ذلك، فإن تجربة المرأة اللبنانية في هذه الحرب ليست واحدة. فهناك امرأة في الجنوب تترك منزلها تحت تهديد القصف، وأخرى في بيروت تفتح بيتها لاستقبال أقارب أو نازحين، وثالثة في الشمال تتابع الأخبار بقلق لأن أبناءها أو أقاربها ما زالوا في مناطق الخطر. تختلف الجغرافيا، لكن القلق واحد، وتبقى المرأة في كل مكان حارسة للعائلة وذاكرة البيت.

وفي أماكن الإيواء المؤقتة، حيث تتكدس العائلات في المدارس أو القاعات العامة، تبدأ النساء غالباً بإعادة ترتيب الحياة من جديد. فهنّ اللواتي ينظمن توزيع الطعام، ويعتنين بالأطفال، ويحاولن خلق شعور بالطمأنينة وسط القلق العام. هكذا تتحول المرأة، في زمن الحرب، إلى ما يشبه المهندسة الخفية للحياة اليومية، تلك التي تعيد بناء الإيقاع الطبيعي للحياة حتى في أكثر الظروف اضطراباً.

قد تراها وهي تروي لأطفالها قصة قبل النوم بينما يتردد في الخارج دوي الطائرات، فقط لكي لا ينسوا أصوات السكينة. أو تلك الأم التي تقف في طابور طويل للحصول على دواء لطفلها المريض، لأن المرض لا ينتظر وقف إطلاق نار. هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عادية، هي في الحقيقة ملامح البطولة اليومية للنساء في زمن الحرب.

وراء هذه القوة الظاهرة تختبئ امرأة تخاف بصمت. فهي تحاول أن تبدو مطمئنة أمام أطفالها، لكنها تحمل في داخلها قلقاً هائلاً: قلقاً من فقدان البيت، أو من إصابة أحد أفراد العائلة، أو من مستقبل مجهول يلوح في الأفق. وهي أيضاً تتحمل عبئاً نفسياً مضاعفاً لأنها تشعر بأنها مطالبة بالصمود دائماً، حتى في اللحظات التي تحتاج فيها هي نفسها إلى من يخفف عنها ثقل الخوف.

ومع ذلك، فإن دور المرأة في هذه الظروف لا يقتصر على الأمومة وحدها. فهناك طبيبات وممرضات يعملن في المستشفيات القريبة من مناطق التوتر، ومتطوعات يشاركن في المبادرات الإنسانية لدعم النازحين، وصحفيات يوثقن ما يجري على الأرض، وشابات ينظمن حملات التضامن عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كل واحدة منهن تسهم بطريقتها في مواجهة آثار الحرب.

في زحمة مسؤوليات الحرب، تغيب أحياناً أحلام المرأة الشخصية. تلك التي كانت تخطط لافتتاح مشروع صغير، أو التي كانت تستعد لبدء مرحلة جديدة في حياتها، تجد نفسها فجأة منشغلة بالبقاء على قيد الحياة. فالحرب لا تهدد الأجساد فقط، بل تؤجل الأحلام أيضاً، وكأنها تسرق من النساء جزءاً من مستقبل كان يمكن أن يكون مختلفاً.

ومع ذلك، فإن المرأة اللبنانية أثبتت عبر تاريخها قدرة استثنائية على تحويل الألم إلى قوة. ففي كل مرحلة من مراحل الأزمات التي مر بها لبنان، كانت النساء في طليعة من حافظوا على استمرارية المجتمع. وهنّ اللواتي حافظن على تعليم الأطفال عندما تعطلت المدارس، وعلى تماسك العائلة عندما فرّقت الحروب بين أفرادها، وعلى الحد الأدنى من الأمل عندما بدا اليأس سيد المشهد.

والواقع أن دور المرأة في مثل هذه الظروف يتجاوز حدود العائلة ليصل إلى المجتمع بأسره. فالنساء غالباً ما يكنّ أكثر حرصاً على الحفاظ على الروابط الإنسانية في زمن الانقسام. وهنّ اللواتي يسعين إلى إبقاء لغة التعاطف قائمة في مجتمع قد تدفعه الحرب نحو القسوة أو الانغلاق. لذلك يمكن القول إن المرأة اللبنانية لا تحافظ فقط على تماسك أسرتها، بل تسهم أيضاً في حماية النسيج الاجتماعي من التمزق.

غير أن هذا الدور الكبير يجب ألا يحجب حقيقة أساسية: المرأة اللبنانية تحتاج اليوم إلى دعم حقيقي، لا إلى كلمات تقدير عابرة. فالحروب تزيد من هشاشة أوضاع النساء اقتصادياً واجتماعياً، وتضاعف التحديات التي يواجهنها في مجالات العمل والتعليم والرعاية الصحية. وكثير من النساء يفقدن مصادر رزقهن أو يجدن أنفسهن فجأة في مواجهة مسؤوليات أكبر دون أي شبكة أمان كافية.

لهذا فإن الحديث عن المرأة في يومها العالمي ينبغي أن يكون دعوة صريحة إلى حماية دورها وتعزيزه. فالمجتمع الذي يريد أن ينهض بعد الحرب لا يستطيع أن يفعل ذلك إذا ترك نصفه يعاني في الظل. إن تمكين المرأة ليس شعاراً ثقافياً فحسب، بل شرطاً أساسياً لبقاء المجتمع نفسه.

المرأة اللبنانية، في هذه اللحظة الصعبة، تشبه لبنان ذاته: متعبة لكنها واقفة، مجروحة لكنها قادرة على الاستمرار. وكما أن هذا البلد الصغير عرف عبر تاريخه كيف ينهض من بين الأزمات، فإن المرأة فيه ما زالت تحمل تلك القدرة العجيبة على البدء من جديد.

قد لا تستطيع المرأة اللبنانية إيقاف الحرب، لكنها تقوم كل يوم بفعل لا يقل أهمية: الحفاظ على استمرار الحياة. وفي زمن تحاول فيه الحروب أن تجعل الخراب قدراً نهائياً، يصبح الحفاظ على الحياة فعل مقاومة إنسانية عميقة.

لهذا، حين يحل اليوم العالمي للمرأة في لبنان اليوم، لا يبدو كمناسبة احتفالية عابرة، بل كتحية صادقة لنساء يقفن في الصف الأول من معركة الصمود. نساء يعرفن أن الحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع أن تهدم إرادة الحياة.

فالمرأة اللبنانية، بالرغم من النزوح والخوف والدمار، ما زالت تحمل في قلبها القدرة على إعادة بناء الأمل.

وربما تكون هذه القدرة، في النهاية، هي القوة الحقيقية التي تجعل لبنان قادراً على البقاء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.