: آخر تحديث

الحرب على إيران وإعادة رسم النظام الإقليمي

7
7
7

الحرب وميزان القوة في الشرق الأوسط
نادرًا ما تنتهي الحروب عند حدود المعركة العسكرية. فالتاريخ يبين أن آثارها الحقيقية تظهر لاحقًا في التحولات التي تطرأ على ميزان القوة بين الدول. ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد الحرب على إيران لا يتعلق فقط بحجم الخسائر العسكرية التي تكبدتها طهران، بل بالتحول الأوسع الذي قد يطرأ على النظام الإقليمي في الشرق الأوسط إذا ما أدى إضعافها إلى إعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة.

في هذا السياق يكتسب المقال الذي كتبه الصديق القديم الأستاذ عبد الرحمن الراشد بعنوان "نهاية إيران كقوة عسكرية" أهمية خاصة، إذ يقدم قراءة مبكرة لنتائج الحرب، ويرى أن ما جرى، وإن لم يصل إلى مستوى الحسم الكامل، قد نجح في تحجيم الخطر الإيراني وتقليص قدراته العسكرية، بما قد يمنح المنطقة فترة من الهدوء النسبي ربما تمتد لسنوات.

ولا يختلف كثير من المراقبين مع هذا التقدير في ما يتعلق بالمدى القريب. فالحروب بطبيعتها قادرة على إحداث تحولات ملموسة في القدرات العسكرية للدول، وقد تدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية. غير أن تحليل الحروب الإقليمية لا يكتمل عادة بالنظر إلى مصير الطرف الذي جرى إضعافه فحسب، بل بقراءة التحولات الأوسع التي قد تطرأ على بنية النظام الإقليمي.

إيران كلاعب إقليمي منذ 1979
منذ قيام الثورة الإيرانية 1979، سعت إيران إلى ترسيخ نفوذ إقليمي واسع عبر مزيج من القوة العسكرية والبرامج الصاروخية، إضافة إلى شبكة معقدة من التحالفات والامتدادات السياسية والعسكرية في عدد من ساحات الشرق الأوسط.

وقد جعلها ذلك لاعبًا محوريًا في معادلات الأمن الإقليمي، كما جعلها في الوقت نفسه مصدرًا دائمًا للتوتر في علاقاتها مع عدد من دول المنطقة.

عندما يؤدي إضعاف قوة إلى اختلال جديد

تشير التجربة التاريخية في السياسة الدولية إلى أن إضعاف قوة إقليمية لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد يؤدي أحيانًا إلى اختلال جديد في ميزان القوى. فاستقرار أي نظام إقليمي لا يقوم على غياب القوة، بل على توازنها.

وهذا هو جوهر ما تعرفه أدبيات العلاقات الدولية بمفهوم توازن القوى، وهو المفهوم الذي تناوله عدد من منظري السياسة الدولية، من بينهم Hans Morgenthau، الذين رأوا أن الاستقرار النسبي يتحقق عندما لا تستطيع قوة واحدة فرض هيمنة كاملة على الآخرين.

ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد الحرب لا يتعلق بإيران وحدها، بل بموقع القوى الأخرى في المعادلة الإقليمية.

إسرائيل ومعادلة التفوق العسكري
في مقدمة هذه القوى تأتي إسرائيل، التي تمتلك منذ عقود تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واضحًا في المنطقة، مدعومًا بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة.

وقد شكل هذا التفوق أحد العناصر الأساسية في معادلات الأمن في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة. غير أن إضعاف إيران، إذا ثبت أنه نتيجة دائمة لهذه الحرب، قد يؤدي إلى تعزيز هذا التفوق بصورة أكبر، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة النظام الإقليمي الذي قد يتشكل بعد هذه الحرب.

وقد عبّر عدد من القادة الإسرائيليين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مرارًا عن رؤية استراتيجية تقوم على منع أي قوة إقليمية من امتلاك قدرات يمكن أن تهدد التفوق العسكري الإسرائيلي. وإذا ما نجحت هذه الاستراتيجية في تحييد أحد أبرز خصوم إسرائيل الإقليميين، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ في الشرق الأوسط.

أين تقف الدول العربية؟
بالنسبة إلى كثير من المواطنين في العالم العربي، تبدو المواجهة بين إيران وإسرائيل في بعض الأحيان وكأنها صراع بين قوتين إقليميتين متنافستين على النفوذ، وهو ما يفسر شيوع التعبير الشعبي القائل إن "الفخار يكسر بعضه". غير أن التاريخ السياسي للمنطقة يبين أن نتائج مثل هذه الحروب نادرًا ما تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، إذ تمتد آثارها لتطال بنية النظام الإقليمي بأكمله.

فإذا خرجت إسرائيل من هذه الحرب بأضرار محدودة نسبيًا، في حين تراجعت القدرات العسكرية لإيران بصورة ملموسة، فإن ميزان القوة في الشرق الأوسط قد يميل بدرجة أوضح لصالح إسرائيل، وهو تطور ستكون له تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود الصراع المباشر بين الطرفين.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن مصير إيران نفسها: أين تقف الدول العربية في هذا التحول المحتمل؟

دور القوى الكبرى في تشكيل النظام الإقليمي
كما يبقى موقف القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عاملًا حاسمًا في تحديد شكل النظام الإقليمي المقبل.

فهل ستسعى هذه القوى إلى بناء توازن جديد يضمن قدرًا من الاستقرار، أم إنها ستكتفي بإدارة التوترات القائمة وفق حساباتها الاستراتيجية الخاصة؟

الخاتمة
قد يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية حول النتائج بعيدة المدى لهذه الحرب. غير أن ما يمكن قوله بثقة هو أن تراجع قوة إقليمية بحجم إيران، إن ثبت حدوثه، لن يكون مجرد حدث عسكري عابر، بل تطورًا استراتيجيًا سيعيد طرح أسئلة أعمق حول مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

ولعل قيمة النقاش الذي أثاره مقال الأستاذ عبد الرحمن الراشد تكمن في أنه فتح الباب للتفكير في مستقبل إيران بعد الحرب. غير أن الصورة الكاملة لا تكتمل إلا بطرح سؤال موازٍ لا يقل أهمية: كيف سيبدو الشرق الأوسط إذا تغير موقع إيران في ميزان القوة؟

فالحروب قد تضعف دولًا، لكنها في الوقت نفسه تعيد ترتيب موازين النفوذ بين القوى الأخرى. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد هذه الحرب ليس فقط ما الذي سيحدث لإيران، بل أي نظام إقليمي سيولد من بين أنقاضها.

وإذا كانت الحرب قد أضعفت إيران بالفعل، فإن مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط قد يتجه نحو واحد من 3 مسارات رئيسية:

1. سيناريو الهيمنة الأحادية
إذا أدى تراجع إيران إلى تعزيز التفوق العسكري والاستراتيجي لإسرائيل بصورة واضحة، فقد يميل ميزان القوة في المنطقة نحو شكل من أشكال الهيمنة الإقليمية.

2. سيناريو التوازن الجديد
قد تتحرك قوى إقليمية أخرى لإعادة بناء قدر من التوازن في مواجهة أي اختلال محتمل، بما يؤدي إلى نشوء معادلات وتحالفات إقليمية جديدة.

3. سيناريو عدم الاستقرار
أما إذا أدى اختلال ميزان القوة إلى فراغ استراتيجي أو تنافس حاد بين القوى الإقليمية، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراعات وعدم الاستقرار.

فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تنهي الصراعات دائمًا، بل كثيرًا ما تعيد رسم خطوطها. والشرق الأوسط، كما عرفه العالم مرارًا، منطقة لا تعرف الفراغ في ميزان القوة طويلًا. فإذا تراجعت قوة، فإن السؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه هو: من سيملأ المساحة التي تتركها وراءها، وبأي ثمن؟

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.