مع اتساع العمليات العسكرية الأخيرة ضد مراكز القوة في النظام الإيراني، دخلت المنطقة مرحلة مختلفة من الصراع، فبعد سنوات طويلة من المفاوضات والرسائل الدبلوماسية، لم يعد السؤال الحقيقي كيف يمكن إدارة الأزمة مع طهران، بل ما إذا كانت هذه اللحظة قادرة على إنهاء النموذج الثيوقراطي السياسي الذي حكم إيران منذ عام 1979 وقاد المنطقة إلى أربعة عقود من التوتر وعدم الاستقرار.
لقد شهدت الأشهر التي سبقت هذه العمليات جولات حساسة من الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران في محاولة لوقف تقدم البرنامج النووي الإيراني والحد من تطوير الصواريخ الباليستية، غير أن تلك الجهود اصطدمت مرة أخرى بنمط مألوف من المماطلة والتعنت. ففي الوقت الذي كانت فيه طهران تفاوض علناً، كانت تعمل في الخفاء على توسيع قدراتها النووية والصاروخية في مسار يهدف عملياً إلى الوصول إلى عتبة السلاح النووي.
بلا شك، ومع استمرار هذا النهج، أصبح واضحاً أن الدبلوماسية وصلت إلى حدودها القصوى، فالتفاوض في ظل تقدم البرنامج النووي الإيراني كان يعني منح النظام مزيداً من الوقت للاقتراب من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وهو ما كان سيغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط بشكل خطير ويفتح الباب أمام سباق تسلح نووي واسع.
لكن التجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن الضربات العسكرية وحدها لا تغيّر سلوك الأنظمة إذا بقيت بنيتها السياسية والعسكرية قادرة على إعادة إنتاج القوة. فاستهداف المنشآت أو تحييد القيادات قد يضعف النظام، لكنه لا يزيل الآلية التي تسمح له بإعادة البناء. وفي هذا السياق تعكس التصريحات الأخيرة لمسؤولين إسرائيليين تحولاً واضحاً في طبيعة الردع. فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بوضوح:" أي قائد إيراني يتم تعيينه لمواصلة برنامج تدمير إسرائيل سيكون هدفاً للتصفية". هذه الرسالة تعني أن الصراع لم يعد يقتصر على ضرب القدرات العسكرية فحسب، بل يمتد إلى مراكز القرار التي تقود هذا المسار.
السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف يمكن توجيه الضربة التالية، بل كيف يمكن منع النظام الإيراني من إعادة بناء قدرته على تهديد المنطقة، والمقاربة الواقعية لا تقوم على إسقاط الدولة الإيرانية ولا على دفعها نحو الفوضى، بل على إعادة تشكيل طبيعة النظام الديني السياسي داخل الدولة بحيث تتحول إيران من مشروع أيديولوجي للصراع الإقليمي إلى دولة وطنية تعمل وفق مصالح شعبها واستقرار محيطها.
ولتحقيق هذا التحول لا يكفي الضغط العسكري وحده، بل يتطلب الامر مسارا سياسيا واستراتيجيا واضحا يقوم على عدة مسارات متكاملة، المسار الأول في هذه المعادلة يتعلق بالبرنامج النووي، فخفض مستويات التخصيب أو تجميد بعض الأنشطة لن يكون كافياً. المطلوب تقليص عدد المفاعلات العاملة إلى الحد الأدنى للأغراض المدنية وإخضاع أي تطوير نووي مستقبلي لنظام رقابة صارم وفق شروط اتفاقيات التعاون النووي المعروفة باتفاقيات "123".
الحقيقة، أن القضية لم تعد خلافاً تقنياً حول نسب التخصيب، بل احتمال عودة برنامج نووي عسكري قادر على تهديد المنطقة بأكملها. ولهذا حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قائلاً:" إن امتلاك النظام الإيراني لصواريخ بعيدة المدى وأسلحة نووية سيشكل تهديداً جسيماً للشرق الأوسط وكذلك للولايات المتحدة".
المسار الثاني يتعلق بإنهاء القدرات العسكرية الهجومية التي استخدمها النظام الإيراني طوال سنوات كأداة للضغط الإقليمي، فلا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في الشرق الأوسط مع استمرار البرنامج الصاروخي الإيراني ومنظومات المسيّرات الهجومية العابرة للحدود، فالمطلوب إنهاء هذا البرنامج بالكامل وحصر القدرات العسكرية في إطار دفاعي بحت. أما المسار الثالث فيتعلق بالبنية الاقتصادية التي مكّنت النظام من تمويل سياساته الخارجية، فالحرس الثوري لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية، بل شبكة اقتصادية واسعة سمحت للنظام بتمويل أنشطته الإقليمية خارج إطار مؤسسات الدولة، إن نقل هذه الأصول الاقتصادية إلى إطار مدني شفاف وإخضاعها لرقابة الدولة يمثل خطوة أساسية لفصل الاقتصاد الوطني عن المشروع الأيديولوجي الذي حكم إيران لعقود.
ويبقى العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة هو الريع النفطي، فقد موّلت عائدات الطاقة جزءاً كبيراً من سياسات التوسع والصراع في المنطقة، إعادة توجيه هذه الموارد نحو الاقتصاد الوطني والتنمية الداخلية تمثل شرطاً أساسياً لأي تحول سياسي حقيقي داخل إيران، غير أن أي إعادة صياغة للمعادلة الأمنية في الإقليم لن تكون قابلة للاستمرار إذا بقيت بنية السلطة داخل إيران نفسها على حالها. فالتجارب التاريخية تُظهر أن سلوك الدول يتغير عندما تتغير طبيعة مراكز القرار داخلها.
ولهذا لا يمكن فهم مستقبل هذه المعادلة دون النظر إلى ما يجري داخل إيران نفسها، فمع تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية، بدأت تظهر نقاشات متزايدة داخل المجتمع الإيراني حول مستقبل إدارة الدولة وطبيعة الحكم، فبعد عقود من هيمنة المؤسسة الدينية والأمنية على القرار السياسي والاقتصادي، باتت قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني تتطلع إلى نموذج حكم مختلف يقوم على الكفاءة الاقتصادية والإدارة المهنية للدولة بدلاً من الخطاب الأيديولوجي.
وفي هذا السياق تتزايد الدعوات إلى نموذج إدارة تكنوقراطي تتولى فيه نخب اقتصادية وإدارية إدارة مؤسسات الدولة، بما يسمح بفصل إدارة الاقتصاد والتنمية عن الصراعات الأيديولوجية التي طبعت السياسة الإيرانية لعقود. مثل هذا التحول لا يعني انهيار الدولة أو تفككها، بل على العكس قد يمثل الطريق الأكثر واقعية لإعادة إدماج إيران في محيطها الإقليمي والاقتصاد العالمي.
فالدولة الإيرانية تمتلك مجتمعاً متعلماً واقتصاداً كبيراً وبنية مؤسساتية عميقة، لكن المشكلة الأساسية خلال العقود الماضية لم تكن في قدرات المجتمع أو الدولة، بل في طبيعة النظام السياسي الذي وجّه هذه القدرات نحو مشروع صراع دائم مع الإقليم والعالم، وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فإيران كدولة تمتلك كل المقومات التي تسمح لها بأن تكون قوة استقرار وتنمية في المنطقة، لكن نظام الملالي الذي حكمها منذ الثورة حوّل هذه الإمكانات إلى أدوات للصراع والتوتر، فإعادة توجيه هذه القدرات نحو الداخل الإيراني والتنمية الاقتصادية قد تكون الخطوة الأهم في أي تحول سياسي مستقبلي.
بلا شك، تبقى سيناريوهات الرفض أو الانقسام داخل نظام الملالي قائمة، فرفض هذه المعادلة سيعني استمرار الضغوط والضربات وارتفاع الكلفة الاقتصادية والعسكرية للنظام، أما الانقسام الداخلي فقد يفتح الباب لإعادة تشكيل السلطة دون انهيار مؤسسات الدولة، ما يتشكل اليوم ليس مجرد جولة عسكرية جديدة، بل فرصة سياسية نادرة لإعادة تعريف دور إيران في المنطقة.
وفي تقديري، قد لا تتكرر مثل هذه اللحظة لعقود طويلة، وإذا لم تُستثمر هذه الفرصة لإعادة تشكيل طبيعة النظام السياسي في إيران، فقد يجد الشرق الأوسط نفسه بعد سنوات قليلة أمام النظام نفسه وقد أعاد بناء قوته بصورة أكثر خطورة وتعقيداً.

