: آخر تحديث

"أرشيف الرماد".. توثيق قصصي للذاكرة التونسية المفقودة بين نيران الثورة ورماد النسيان

5
5
2

في إصدار أدبي حديث ينبض بالذاكرة التونسية، صدرت المجموعة القصصية «أرشيف الرماد» عن دار أبجديات للنشر في سوسة، في طبعة أولى لسنة 2026. يأتي هذا الكتاب بقلم الشاعر والكاتب التونسي سعيف علي الظريف، ليضيف صوتًا مميزًا إلى المشهد القصصي العربي. تجتمع فيه قصص متفاوتة الطّول تحت بنية موحدة، حيث تُقدم كل قصة كوثيقة محفوظة في «صندوق أرشيف» برقم ومرجع، كأنها أرشيف سري لحيوات عادية احترقت أو كادت، وبقي منها رماد يسعى الكاتب لإعادة تشكيله ومنحه معنى، مما يجعل الكتاب عملًا متماسكًا يربط بين الشخصي والجماعي.

من احتراق الثورة إلى هاجس الحفظ الدائم
يبدأ الكتاب من نقطة شخصية عميقة الجذور في التاريخ الجماعي: حريق دار الثقافة محمد البشروش في دار شعبان الفهري أثناء الثورة التونسية، حيث التهمت النيران مخطوطات الكاتب الأولى. هذه الواقعة ليست مجرد خلفية، بل تتحول إلى هاجس ينفذ إلى قلب النصوص، محولًا الكتابة إلى عملية إنقاذ مستمرة. في المقدمة «قبل البدء»، يصف القاص  كيف أصبح كل نص مهددًا بالفناء، ليس بالنار فحسب، بل برماد أكثر فتكًا يمثل النسيان والاندثار، قائلًا: «هذه ليست قصصًا تسكن الحكاية بل رجاء يريد أن يحفظ ما يوشك أن يحترق مرّة أخرى». هذا الهاجس يتجلى في شخصيات تبحث عن بقاء أثر صغير، مثل الاطفال الذين يجمعون رماد الأماكن المحترقة في «أرشيف الرماد» ليصنع أرشيفًا بديلًا للثورة، أو الأب الذي يحتفظ بخوخة ابنه المتوفى ثلاثين عامًا في «صندوق عمّ علي»، أو المراقب الذي يحمل وشم نجمة يذكر بالأب  في «وشم». يفتتح الكتاب باقتباس من هاروكي موراكامي: «داخل كل واحد منا، طفل يلعب الغميضة وحيدًا على أمل أن يعثر عليه أحد»، ليرسم جوهرًا نفسيًا يربط الفقدان بالحفظ، كأن كل قصة محاولة للعثور على ذلك الطفل الداخلي، مما يمنح النصوص تدفقًا عاطفيًا متصلًا.

وجوه تونس: موجات الثورة المتأخرة في الحياة اليومية
بدلاً من التركيز المباشر على الشعارات الثورية، يغوص الكاتب في تأثيراتها المتأخرة على الأفراد العاديين، مما يرسم لوحة حية لتونس ما بعد 2011 تتدفق بسلاسة بين السياسي والإنساني. في «الهادي ناقوز»، يعود جندي من حرب بعيدة بحياة مشوهة، يعيش كمنفي في قريته، يضرب ناقوسًا نحاسيًا ليمنع نوم الموتى – ونومه هو نفسه، قائلًا: «أنا الهادي، وشهرتي 'الناقوز'، ثقيل كحجر الرحى وعمود الخندق»، حيث يمتزج صوت الناقوس بالخندق والقرية، رابطًا بين حروب خارجية وريف تونسي معاصر. تتدفق الصورة إلى «أرشيف الرماد»، حيث يجمع ثلاثة أطفال – «الأشقياء الثلاثة» – رماد البنوك والمقار الحزبية المحترقة بعد 14 يناير، محولينه إلى علب تحفظ أصوات الهتافات والرصاص والأغاني، ليصبح لعب الأطفال فعلاً سياسيًا جماليًا يقاوم محاولات الدولة تنظيف التاريخ أو نسيانه. وفي «قاعدة فرنسية»، يتسرب غاز سام من قاعدة عسكرية قديمة قرب مدرسة، محركًا الأب للركض عبر طرق جبلية لإنقاذ ابنته، مع استحضار ذكريات الاستعمار والتواطؤ البيروقراطي المعاصر، مما يعكس كيف تتداخل الماضي بالحاضر بسلاسة.

تكمل هذه التدفق قصص مثل «نميمة» و«عطلة رسمية»، التي تسخر من بيروقراطية الادارة : اعتراف شخصي يتحول إلى فضيحة عامة، أو موعد إداري في يوم عطلة يقلب مصير مخرج مسرحي. تونس هنا ليست خلفية، بل عنصر حي يتدفق عبر الشوارع مثل شارل ديغول وبورقيبة، دار الثقافة، ملعب المنزه، مقاهي العاصمة، ومراكز البريد، ليؤسس عالمًا واقعيًا يعكس التناقضات اليومية بتدفق سلس.

على الهامش: الهجرة والوجع العائلي الصامت
يبرز المرلف أصوات الهامش، المهاجرين والغرباء، في قصص تعبر عن هشاشة الوجود الإنساني بتدفق عاطفي يربط بين الشخصي والاجتماعي. في «الزيتويني»، يروي عامل غابوني في موقع بناء تونسي كيف سرقه صديقه، ثم يستعد لرحلة بحرية محفوفة بالمخاطر نحو إيطاليا، ملتقطًا الاستغلال اليومي والأحلام البعيدة دون وعظ، عبر تفاصيل العمل والمقهى التي تتدفق بسلاسة. أما في «وشم»، فيركب رجل قطارًا بدون تذكرة، مختبرًا الكذب بسبب الفقر، قبل أن يلتقي مراقبًا يحمل وشمًا يذكر بأبيه المفقود، محولًا القطار إلى استعارة للحياة: «نحن جميعًا نسافر دون تذاكر مؤكدة، نكذب قليلاً، نختبئ قليلاً».

العائلة بدورها تبدو مكانًا هشًا يتدفق من خلاله الوجع الصامت: الأم المطلقة في «الدمية» تحمي ابنتيها من خيبة أب يشتري هدية لطفل آخر، أو المرأة في «ريح الشمال» التي تكتب رسائل تعارف في جريدة، لتكتشف أن ساعي البريد يحتفظ بها، قبل أن تتزوج غيره وتحتفظ بزهرة تحت الوسادة كذكرى، مما يعكس تدفق العواطف المكبوتة بسلاسة.

الكتابة عن الكتابة: لعبة الميتاسرد
يضيف سعيف علي الظريف طبقة تأملية بانشغاله بالسرد ذاته، مما يدفق النصوص نحو التجريب دون فقدان السلاسة. في «مانيفستو الخياط»، يتمرد خياط داخل رواية غير مكتملة على كاتبه، يدخل شخصيات أدبية مثل «دون كيخوت» و«خليفة الأقرع»، ويحذف حوادث، تاركًا فراغًا يقول: «حدث شيء آخر، لكن الكاتب لم يستطع كتابته»، ليثير أسئلة السلطة بين الكاتب والشخصية والقارئ. أما في «تلفزة»، فيتابع الراوي شخصية في مسلسل تلفزيوني قبل أن ينجذب داخل الشاشة، محولًا الفرجة إلى تورط: «المتلقي ليس بريئًا، بل جزء من هذا». هذه النصوص تكسر الجدار بين النص والقارئ بتدفق سلس، مؤكدة أن الأرشيف لا يقتصر على الأحداث، بل يشمل طرق روايتها، سواء أدبيًا أو تلفزيونيًا.

الأسلوب: مزيج من الواقعية والشعرية
تتميز اللغة في المجموعة باشباع بنبض باليومي التونسي: كلمات عامية خفيفة، أسماء أماكن مألوفة، تفاصيل دقيقة مثل تمرة في قطار أو قهوة في مقهى شعبي، تتدفق بسلاسة نحو البعد الشعري عبر تشبيهات مركبة: «المدينة التي تتنفس رمادها»، أو «الشمس التي تشرق داخل الرأس». السرد غير الخطي، مع تداخل الزمن وتعدد الأصوات، يعكس تفكك الذاكرة، مما يجعل النصوص سلسة في قراءتها الأولى، وعميقة في التأمل الثاني.

 مشروع للذاكرة من الأسفل
في سياق الأدب التونسي، يحاور «أرشيف الرماد» تقاليد اشتغلت على الثورة والهامش، لكنه يبرز بإطاره الأرشيفي الذي يمنح وحدة شكلية ومعنوية، وبجرأته في الجمع بين الواقع الاجتماعي الصلب – البطالة، الهجرة، البيروقراطية – واللعب السردي دون تجريب فارغ او متكلف . يمكن قراءته كحكايات ممتعة تتدفق بسلاسة، أو كمشروع لكتابة الذاكرة من زاوية الجنود والعمال والأطفال والنساء، لا من طرف الخطاب الرسمي. مع إهدائه الحميم لزوجته ابتسام وأبنائه يسر ودعاء وسليمان، وذكريات والده، يصبح الكتاب شهادة شخصية على الفقدان، دعوة للحفظ قبل أن يبتلع الرماد كل شيء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات