محمد ناصر العطوان
مشكلتنا الكبرى يا صديقي، أننا نتعامل مع الحياة بعقلية «المشاهد المتعجل» الذي يذهب إلى السينما، وفي منتصف الفيلم، حين تتأزم الأحداث ويُحاصر البطل وتغلق كل الأبواب في وجهه، يغضب هذا المشاهد، يلعن المخرج، يضرب كفاً بكف، ثم يحمل حقيبته ويغادر القاعة معتقداً أن القصة قد انتهت هنا، وأن الشر أو الظلم قد انتصر.
نحن ننسى دائماً، في غمرة خوفنا وهلعنا اليومي، أن الكاميرا لا تزال تدور، وأن السيناريو لم يُختتم بعد، وأن «اللقطة المأسوية» التي تقف أمامها عاجزاً ومحبطاً الآن، ليست سوى «حبكة» في منتصف القصة، وليست مشهد النهاية.
ببساطة شديدة فإن البدايات دائماً لنا ولأعدائنا ولظروفنا...
إذا كنت لا تصدقني، فتعال نأخذ كاميرا الخيال، ونعود بها إلى الوراء، ونضغط زر «الإيقاف» (Pause) عند لقطات محددة في تاريخ البشرية، لنرى كيف كانت تبدو بحسابات البشر، وكيف انتهت بتدبير السماء.
واحد... اثنان... ثلاثة... أكشن...
اللقطة الأولى: امرأة ورضيع في صحراء قاحلة:
تخيل معي أن المشهد توقف عند سيدنا إبراهيم، عليه السلام، وهو يرحل عن زوجته هاجر، وطفلهما الرضيع إسماعيل، ويتركهما في وادٍ غير ذي زرع، لا ماء، لا بشر، لا شجر. بحسابات المنطق، والفيزياء، والجغرافيا، و«خبراء الإستراتيجية»... النهاية محسومة: موت محقق عطشاً أو افتراساً... لو توقفت الحكاية هنا، لكتبنا أعظم تراجيديا في التاريخ.
لكن سبحان الخالق أتى بالخير... ليتدفق بئر زمزم، وتُبنى الكعبة، وتتحول هذه الصحراء القاحلة إلى عاصمة لأفئدة الملايين حتى يومنا هذا. النهاية لم تكن بيد الجفاف، بل بيد خالق الماء.
اللقطة الثانية: أُم تلقي بفلذة كبدها في النهر:
تخيل لو أن القصة انتهت عند تلك اللحظة المرعبة، حين وضعت أم موسى، طفلها في تابوت خشبي، وألقته لـ «انسياب النهر» الهائج، هرباً من سكاكين فرعون. بحسابات البشر، أنت ترسل طفلاً للغرق أو للتماسيح لتنقذه من الذبح! لو توقف المشهد هنا، لقلنا إنها حكاية من الرعب. لكن الحدث استمر، ليرسو التابوت في قصر فرعون، نفسه، ويتربى الطفل الذي أرادوا ذبحه على أَسِرّة من أراد ذبحه، وبأمواله، وتحت حمايته. النهاية لم تكن بيد فرعون، بل بيد من يسير أمواج النيل... ويخرج موسى بقومه في أول رحلة للحرية في التاريخ.
اللقطة الثالثة: طفل يبكي في قاع البئر:
دعنا نوقف المشهد عند يوسف، عليه السلام. طفل صغير، ألقاه إخوته –عزوته وسنده– في غيابات الجب، في ظلام دامس، معتقدين أن ذلك لمصلحة أبيهم... ثم انتُشل ليُباع كعبد بثمن بخس في أسواق النخاسة. بحسابات المنطق البشري: ضاع الفتى، وانتهى مستقبله، وسيُطوى ذكره كأي عبد مجهول في بيوت الأثرياء.
لكن الله سبحانه وتعالى، يأبى أن يكتب النهاية بخطوط إخوة يوسف... تدور الأيام، وإذا بالعبد المنسي يجلس على خزائن الأرض، وإذا بمن رموه في البئر يقفون أمامه صاغرين... النهاية لم تكن بيد من قطعوا الحبل، بل بيد من يملك مقاليد السماوات والأرض.
اللقطة الرابعة: يتيم في العراء... ولاجئ في وطنه وتخيل معي أوجع اللقطات؛ طفل اسمه «محمد»، لم يكد يرى نور الحياة حتى مات أبوه، ثم في طريق مقفر بين مكة والمدينة بـ(الأبواء)، تلفظ أمه «آمنة» أنفاسها الأخيرة وهو يقف بجوارها يبكي. بحسابات الدنيا فهو طفل يتيم الأبوين، مكسور الجناح، في مجتمع قبلي لا يعترف إلا بالقوة والمال.
ثم تمضي السنوات، ونرى الرجل نفسه، يُخرج من أحب بلاد الله إليه (مكة)، يغادرها متخفياً في جنح الظلام، مهاجراً، يبحث عن مأوى في المدينة. لو توقف المشهد في الغار، لقال أعداؤه: «انتهت الدعوة وقضي الأمر».
لكن النهاية لم تكن بيد قريش، ولا بيد سيوفهم المشرعة. النهاية كانت عودة مظفرة، وفتحاً مبيناً، ورسالة أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور.
الخلاصة يا سيدي الفاضل..
حين تشعر أن الحبل قد اشتد حول عنقك، وأن الأبواب قد أُغلقت بالضبة والمفتاح، وأن «قوى الشر» تمتلك المال والسلاح والتكنولوجيا، تذكر أن هؤلاء جميعاً يملكون «المنتصف»، يملكون صناعة الأزمة، لكنهم أبداً لا يملكون «النهاية». مشكلتنا أننا نقرأ فصول الرواية ونتوقف عند فصل «الألم»، وننسى أن نقطة الختام لم توضع بعد.
فلا ترتعب من الصراخ، ولا من كيد الإخوة، ولا من جفاف الصحراء، ولا من ظلمة الآبار... فهذه كلها مجرد مراحل في مسيرة الحياة، وضعها من بيده الأمر كله ليختبر يقينك.
لذا، ابقَ في مقعدك، واصل دورك بشرف، ولا تغادر مبكراً لأن مشهد النهاية يكتبه الله سبحانه وتعالى، وهو مشهد يستحق دائماً الانتظار. وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله...أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

