ليس أسهل من دفع مبالغ بسيطة، لمواطني دول معينة، ليقولوا «الشهادتين» أمام شخص ما، ويقبضوا المقسوم، ليتصاعد رقم العداد للأعلى، طالما كان الاهتمام يكمن فقط في الكمية، وليس في النوعية.
الإسلام ليس بحاجة لهداية بعض مواطني الشعوب الفقيرة، بقدر حاجته، وحاجة تلك الشعوب لمن يعلمها القراءة والكتابة. فالهداية عملية بسيطة، ومربحة مادياً لـ«الهادي والمهتدي»، وتنتهي خلال دقائق، أما التعليم فهو عمل مضنٍّ ومكلف ويتطلب الوقت والجهد، وليس لدى العاملين بهذه الجمعيات لا القدرة ولا الرغبة ولا الصبر للقيام بذلك العمل الإنساني النبيل، غير مدركين أنه من قبل الدخول لدين ما مقابل مبلغ من المال لن يتردد في الخروج منه مقابل مبلغ آخر، ومن المعيب بالتالي استغلال فقر البعض، و«أسلمتهم» صورياً لقاء بضعة دراهم، مع احتمال عودة هؤلاء لسابق عقائدهم.
يقول المثل الصيني (المعدل): لا تشفق على الفقير وتعطه سمكة لعشائه، بل أعطه سنارة وعلمه كيف يصطاد السمكة!
* * *
ورد في الصحف قبل فترة، أن إحدى اللجان حققت «إنجازات نوعية» على مستوى دعوة غير المسلمين، لدخول الإسلام، بحيث تجاوز الرقم «ألف مهتد»!! وأكدت الجمعية أن هذا الإنجاز تحقق بفضل الله وبدعم المحسنين لمشاريع الجمعية، المتمثلة بالصرف على رواتب دعاتها، الذين قاموا بـ «عشرات الزيارات الميدانية» للوصول المباشر للجاليات غير العربية في أماكن عملها!
العبرة حتما لا تكمن في الأعداد، فهناك قرابة المليار ونصف المليار مسلم، فهناك دولة لا يزيد عدد سكانها على 9 ملايين، انتصرت علينا في جميع المعارك العسكرية والمدنية والسياسية وحققت نتائج مذهلة، وتهدد اليوم بأنها ستجعل حدودها التوراتية تمتد من النيل للفرات، واستطاعت القيام بكل ذلك بفضل سلاح «العلم»، الذي لم ننل منه غير الفتات. وبالتالي كان من الأفضل لتلك اللجان والجمعيات الاهتمام بالتعليم، فهو ما ينقصنا حالياً، وليس التبشير.
يقول المفكر والسياسي الهندي المعروف «شاشي ثارور Shashi Tharor»: إن الإسلام دخل الهند عام 712م، من الشمال، أي ولاية السند، باكستان حالياً، بقيادة محمد بن القاسم، وأعمل السيف بمواطني تلك المناطق، وكانت النتائج مرعبة. أما في الجنوب، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، فقد كانت تجربتهم مختلفة، فقد تعرف شعب كيرالا، مثلاً، على عرب الجزيرة قبل قرون طويلة من مجيء الإسلام، وكانوا يتاجرون معهم ويشترون منهم، ويصاهرونهم، ويعيشون بينهم. وكانوا يأتونهم عندما كانت الريح مواتية، يقيمون بينهم لبضعة اشهر، ثم يعودون لأوطانهم، عندما تعكس الرياح اتجاهها. وأنهم استمروا على ذلك حتى بعد أن اسلموا، وبقوا على حسن تعاملهم وأخلاقهم، والتي دفعت الكثير من أهالي جنوب الهند لدخول دينهم، دون الحاجة لدعاة ولا لدعوات، ولا سيوف ولا عصوات، بل من خلال حسن الخلق والمعاملة. واليوم هناك 500 مليون مسلم في تلك المنطقة لم يحتاجوا يوما لمن يدلهم عليه.
وبالتالي فإن الأشخاص أو الجمعيات التي تدعي التخصص في الدعوة يجب أن تغير أسلوبها جذرياً، وتقوم بتعليم غير المسلمين القراءة والكتابة، فعن طريقهما سيدخل الدين قلوبهم بيسر وسهولة، دون زيف ولا طمع في مال أو خوف من فقد عمل! فبدايات انتشار المسيحية في أفريقيا تمثلت في جهود الدعاة الذين ذهبوا كمبشرين لمجاهل تلك القارة الواسعة، وعاشوا في أكثر مناطق العالم خطورة، وتقبلوا شظف العيش، ومخاطر الإصابة بالأمراض والأوبئة، ليقوموا، بذكاء وصبر، بصيد عصفورين بحجر واحد، من خلال تحويل لغة تلك القبائل، المحكية للغة مكتوبة، وطباعة الإنجيل، كأول كتاب بلغتهم، ووضعه بتصرفهم، فأصبحوا مسيحيين، وممتنين لمن «هداهم»، بأفضل الطرق وأكثرها نفعاً للطرفين!
فهل يدرك «الجماعة» معنى الهداية، وطرقها؟!
أحمد الصراف

