: آخر تحديث

الثلاثاء موعد الكلمة الأخير..

5
4
5

ليست كل البطولات تُقاس بعدد الأهداف، بعضها يُقاس بحجم القلق الذي سبقها، وبكمّ التوجس الذي أحاط بها، وبعدد الذين كانوا ينتظرون تعثر الهلال أكثر من انتظارهم لفوز فرقهم.

الهلال حين فاز بالبطولة رقم 91 لم يكن يحقق لقبًا جديدًا فحسب، كان يعلن ـ مرة أخرى ـ أن هذا الكيان خُلق ليعيش فوق الضغوط، وأنه مهما تغيّرت الظروف، وتبدّلت الأسماء، وتعاقبت الإدارات، يبقى الهلال ذلك الفريق الذي يعرف طريق المنصات كما يعرف البحر طريقه إلى الموج.

كان الموسم مزدحمًا بالأسئلة.. هل يتأثر الهلال؟ هل يتراجع؟ هل يفقد هيبته؟ هل يخذله الإرهاق؟ لكن الهلال، كعادته، لا يتحدث كثيرًا…لأنه يترك الذهب يتحدث نيابة عنه.

هذا الفريق لا يلعب المباريات فقط، بل يلعب على أعصاب الجميع، حتى وهم يخافون عليه… يخافون منه! تلك هي معادلة الهلال العجيبة؛ الكل يترقب سقوطه، لأنه يعرف جيدًا أن استمرار الهلال يعني اتساع الفارق النفسي قبل النقطي..

البطولة 91 ليست رقمًا عابرًا في سجل مزدحم… إنها رسالة جديدة بأن المشروع الرياضي السعودي حين يلتقي بكيان يعرف معنى الانتصار، فإن النتيجة تكون مشهدًا استثنائيًا كهذا. ولعلها بشارة أولى للأمير الوليد بن طلال مع أول بطولة بعد الاستحواذ؛ إذ بدا المشهد وكأن الهلال يقول منذ اللحظة الأولى: «أنا لا أستقبل المشاريع إلا بالذهب».

وإذا كان الهلال قد كسب الكأس، فإنه كسب قبلها شيئًا أكبر… هيبة البطل. تلك الهيبة التي لا تُصنع من مباراة واحدة، ولا من موسم عابر، بل من سنوات طويلة من الثبات وسط كل التحولات. فالهلال ليس فريقًا يعيش على اللحظة، هو كيان يعرف كيف يبقى في القمة حتى حين تتغير الوجوه وتتبدل الظروف. كلما ظن البعض أن التعب سيصيبه، عاد أكثر صلابة. وكلما ازدادت الضغوط حوله، بدا وكأنه يستمد منها قوة إضافية.

هذه هي رسالة الهلال الحقيقية، أن البطولة ليست مجرد منصة تتزين بالكأس، بل شخصية كاملة تُبنى بالصبر، والانضباط، والقدرة على الوقوف في أصعب المنعطفات دون ارتباك. ولهذا يبدو الهلال دائمًا مختلفًا؛ لأنه لا يلعب بعقلية الباحث عن النجاة، بل بعقلية البطل الذي يعرف أن الثبات على القمة أصعب من الوصول إليها.

لكن الهلال لا يمنح جماهيره رفاهية الاكتفاء. فما إن انتهت فرحة الكأس الأغلى، حتى بدأت العيون تتجه نحو الثلاثاء… إلى المنعطف الكبير أمام النصر. هناك حيث لا تكفي الرغبة وحدها، ولا تحسم الأسماء كل شيء، إنما تُختبر شخصية الفريق الحقيقية.

الهلال يعرف جيدًا أن جماهيره لا تريد بطولة تُعلّق على الجدار فقط، بل تريد الهيمنة كاملة. تريد أن يجتمع الكأسان معًا، لأن هذا هو الهلال، وهذه هي عادته القديمة: إذا حضر للمشهد، أراد المشهد كله. ومن هنا تأتي رهبة الثلاثاء… ليس لأنه لقاء دوري عابر، لأنه اختبار جديد لفريق اعتاد أن يقول كلمته حين ترتجف المواعيد الكبيرة.

فالهلال حين يدخل هذه المباريات، لا يحمل معه طموح الفوز فقط، بل هو حينها يحمل تاريخًا كاملًا من الهيبة، ورسالة فريق تعلّم أن الطريق إلى المجد لا يُحفظ بالوعود، بل يُثبت مرة بعد أخرى داخل الملعب

حتى يوم الثلاثاء.. كيف سيعيش الناس؟ كيف ستنام المدن؟ كيف ستبدو المجالس؟ كيف سيمر الوقت على جمهور يعرف أن مباراة واحدة قد تصنع موسمًا كاملًا من المجد أو الحسرة؟

هنا تحديدًا تتجلى روعة كرة القدم السعودية. وهنا تظهر قيمة المشروع الرياضي الحقيقي؛ مشروع جعل الوطن كله يعيش التفاصيل بشغف، وينتظر المباريات كما تُنتظر الأحداث الكبرى. لم تعد المنافسة مجرد تسعين دقيقة… فقد أصبحت حكاية مجتمع كامل يتنفس الرياضة، ويؤمن أن ما يحدث اليوم هو صناعة تاريخ جديد للكرة السعودية.

أما الهلال.. فسيذهب كعادته. هادئًا من الخارج.. مرعبًا من الداخل.. وحين تبدأ المباراة، سيحاول مرة أخرى أن يقول للجميع: إن البطولات ليست صدفة حين ترتدي الأزرق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد