: آخر تحديث

عن أوهام فراديسَ مفقودة

4
4
4

في عالم الفنّ بتعدداته، تشتهر مقولةٌ تؤكد طفوليةَ الفنان، بمعنى أنَّنا لو خدشنَا قلبَه لوجدنَا تحتَ الجلدِ الرَّقيقِ طفلاً. وكأنَّ المقولةَ تريدُ التأكيدَ على أنَّ الفنانَ هو «الطفل الذي نجَا».

فالفنّ في جوهره هو القدرةُ على الحفاظ على دهشةِ البدايات، تلك النظرةُ التي لا ترى الأشياءَ بوصفها مسلمات، بل بوصفها مصادر للتساؤل واللعب.

الخيار الإبداعي قائم على حقيقة أنَّ الطفلَ لا يخشى الخطأ، والفنانَ يحتاجُ لتلك العفويةِ ليكسرَ القوالبَ الجامدة. الصّدقُ العاطفي يؤكد أنَّ تحتَ طبقاتِ التقنية والاحتراف، يظلُّ المحرّك هو تلك الرغبة الطفولية في التعبير عما يعجز اللسان عن قوله.

في عالم الهجرة والمهاجرين، من الممكن القول أيضاً إنَّك لو خدشتَ الطبقةَ الرقيقة من قلب مهاجر لوجدت تحتَها حلماً بالعودة إلى المكان الذي يسميه وطناً. بمعنى أنَّ المهاجرَ، مهما حقَّق من نجاحاتٍ أو استقرار في «الوطن الجديد»، يبقى يسكنُ في «منطقة برزخية» بين واقعين. العودة هنا بوصفها فكرة لا بوصفها فعلاً، أي غالباً ما يكون حلم العودة ليس عودة إلى «جغرافيا» معينة، بل عودة إلى زمن مضى، وإلى دفء عائلي مفقود، أو إلى ذاتٍ كانَها قبل الرحيل.

المفارقة أنَّ هذا الحلم قد يكون «الوقود» الذي يعين المهاجر على الصمود في الغربة، لكنَّه في الوقت ذاته هو «الوجع» الذي يمنعه من الانتماء الكامل لمكانه الجديد.

في الواقع المعيش، فإنَّ المقولتين قد لا تصمدان كثيراً أمام التمحيص رغم ما تحملانه من جوانب الحقيقة.

المقولتان تتصفان في رأيي بـ«الهشاشة» الإنسانية، كونهما تؤكدان أن خلف كل إنجاز إبداعي أو رحلة كفاح شاقة، هناك دافع عاطفي رقيق وصادق جداً، يختبئ بعيداً عن أعين الناس. لكنهما تتجاهلان حقيقة مهمة، وهي أن الواقع من جانبه يضيف بمرور الوقت طبقات أخرى. وعلى سبيل المثال، أحياناً لا يكون هناك طفل صغير وبسيط تحت الطبقة الرقيقة من قلب فنان، إذ من المحتمل جداً أن تجد «وحشاً» يصارع القلق، أو باحثاً عن الحقيقة لا يهدأ. وفيما يخص المهاجر، نحن ندرك أنَّ هناك جيلاً من المهاجرين (خاصة الجيل الثاني) يجد حلمَه في بناء مستقبل جديد في المكان الذي ولد فيه، بدلاً من العودة إلى ماضٍ قد لا يستوعبه عقلياً، ولا يتناغم معه وجدانياً، وأنَّ الوطن لديه هو حيث فتح المرء عينيه على الدنيا وحيث كبر وأزهر.

ما يهم هذه السطور هو تقليب وتمحيص مصطلح الهجرة وعلاقته بحلم العودة، أي عيش امرئٍ مغترباً في ثقافة وجغرافيا أخرى، متنقلاً ومثقلاً بمشاعر وأحاسيس تجاه جغرافيا يسميها وطناً لا تفارقه، ويسكنه حلم بالعودة إليها.

تلك العودة قد لا تختلف عن حلم الإنسان بالعودة إلى فردوس مفقود، وهي في الوقت ذاته قد لا تكون في عمقها سوى بحث عن شعور بالانتماء. ذلك أن سؤالين مهمين يقابلان المهاجر في المهجر: الهوية والانتماء.

السؤالان من الممكن تشبيههما بسيفٍ مصلت على رقبته أينما اتَّجه وحيثما حل.

المفارقة الأخرى هي أنَّ الوطن (الفردوس المفقود)، يظلُّ صورةً جامدة في عقل ووجدان المهاجر، في حين أنه واقعياً عرضة لتغييرات وتقلبات الزمن. بمعنى أنَّ الصورة الجامدةَ للوطن في ذهن المهاجر لم تعد تتطابق مع الصورة الواقعية. ولو أنَّ المهاجر أتيحت له فرصةُ العودة إليه لما وجد شيئاً من الصورة الجامدةِ في ذاكرته، ولاكتشف أنَّ البقاء في الواقع (الوطن الجديد) لا يلائمه، لأنَّ العودةَ تتطلب منه واقعياً خوضَ غمارِ تجربة غربة أخرى، في وقت استنفدت الغربة السابقة جهدَه ووقته وعمره، الأمر الذي يعني أنَّ البقاء في غربته الأولى قد يظل الخيار الأصوب والأمكن واقعياً والأسهل عملياً، لأنَّ الوطنَ المتخيَّل لم يعد موجوداً، وبذلك يجنّب نفسه خوض غمار تجربة غربة أو هجرة أخرى من جديد.

تلك القناعة التي يصل إليها تكون بمثابة اعتراف منه بأنَّه يدفع ثمنَ غربته، وكذلك ثمنَ تكوين هُويَّةٍ مركبة لا ترى الانتماء حصراً في الجغرافيا أو الثقافة أو العِرق، بل في السَّردية الشخصية والتجربة المعيشة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد