ناهد الأغا
في شيكاغو، تتقاطع الأزمنة: الماضي الصناعي للمدينة العتيقة يلتقي بمستقبل الفن الرقمي..
في البدء، هو السؤال: ماذا يحدث حين يصطدم الثابت بالمتحول؟ حين تقف واجهة ذا مارت الشامخة في شيكاغو، بصلابتها المعمارية، لتتحول إلى لوحة حية تنبض بالضوء والصوت.. حالة وجودية بين عالمين: عالم المادة الثقيلة التي تظن نفسها أبدية، وعالم الروح الخفيفة التي تعرف أن لا شيء يبقى على حاله ،في هذه المساحة البينية، حيث يذوب الحد الفاصل بين ما نراه وما نحسه، يحول الفنان السعودي عبدالرحمن حمدي الأسئلة إلى ألوان، والحيرة إلى إيقاع ، بمفردات تخترع لغة إنسانية يفهمها الجميع.
إنها دعوة للتفكر في ثنائيات الوجود: الصوت والصمت، النور والظلام، الثبات والتحول ، وفي قلب هذه الثنائيات، يقف الإنسان المعاصر متسائلاً عن معناه، عن إدراكه، عن قدرته على العيش في المساحات الرمادية حيث لا إجابات مطلقة.
وعبد الرحمن ينتمي إلى جيل جديد من المبدعين السعوديين الذين يعيدون تعريف المشهد الفني، بإعادة قراءته بأدوات المستقبل ,فنان يعبر الحدود الجغرافية، ومبتعثاً في معهد مدرسة الفنون في شيكاغو، إحدى أعرق مؤسسات العالم، يحمل حمدي معه شيئًا لا يمكن تعبئته في حقيبة سفر: إرثاً ثقافياً عريقاً، ذاكرة بصرية تشكلت في صحراء الجزيرة العربية، إحساساً مختلفاً بالفضاء والضوء واللون ليصهر هذا الإرث في بوتقة التجريب العالمي، مؤكدا ًحقيقة ساطعة ،الابتكار الحقيقي لا يولد من الفراغ ولا من القطيعة، بل من التلاقح، من الحوار، من الجرأة على اقتحام المجهول بثقة العارف بجذوره. بدأ رحلته بالرسم، وكان الخط الأول وعدا ً مفتوحاً على احتمالات لا تنتهي، ذلك الخيط الصغير اتسع، تمدّد، وتحول إلى نسيج ثري تتجاور فيه مساحات التجريد، وتتداخل الوسائط الجديدة، ويهمس الفن الرقمي بلغة المستقبل، بينما تنبض التركيبات البصرية - الصوتية بإيقاعٍ يُرى ويُسمع في آنٍ واحد. يشتغل عمله على إشكالية فلسفية عريقة - التوتر بين الثبات والتحول، لكنه ينقلها من حيز التأمل النظري إلى تجربة حسية مباشرة، فالواجهة المعمارية لــ ذا مارت تمثل، في بنيتها المادية، الصلابة والثبات بينما تشتغل الإسقاطات البصرية والإيقاعات الصوتية بوصفها عناصر غير قابلة للتثبيت.
إن ما يحققه حمدي لا يمكن عزله عن التحولات الهيكلية التي شهدها المشهد الفني السعودي خلال العقدين الأخيرين، فمنذ إنشاء وزارة الثقافة وتفعيل هيئاتها المتخصصة، وهيئة فنون الطهي، والموسيقى، والأزياء، مروراً بتنامي المعارض الفنية والبيناليات والبرامج الابتعاثية، وصولاً إلى حضور الفنانين السعوديين في منصات عالمية كبرى، وحين يستخدم فنان سعودي واجهة أيقونية في قلب شيكاغو ليطرح تأملات عن الثبات والتحول والمعنى والإدراك، فهو ينقل خصوصية التجربة السعودية إلى فضاء كوني، وفي الوقت نفسه، يعيد تعريف العالمي بحيث يتسع لضم أصوات جديدة دون أن تفقد ترددها الخاص، وخلف هذا الإنجاز الفردي، مؤسسات واعية تراهن على الاستثمار في الإنسان.
الملحق الثقافي السعودي لدى الولايات المتحدة وكندا، الدكتورة تهاني البيز، قدمت التهنئة للفنان بكلمات تفيض بالمعنى: مشاركة المبدعين السعوديين في منصات عالمية بارزة تعكس ما يمتلكه أبناء وبنات الوطن من طاقات فنية وفكرية قادرة على تمثيل الثقافة السعودية بلغة معاصرة، وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي الدولي
هكذا هو الفن: جسر من ضوء وهواء بين الرياض وشيكاغو، لا جوازات فيه، ولا تأشيرات، فقط الرغبة في أن نفهم، وأن نُفهم
فلنرفع رؤوسنا عاليا ليس لأننا أفضل من أحد، بل لأننا نعرف من نكون، فنحن لسنا فقط أرض النفط، ولسنا فقط أرض التاريخ والتراث، بل نحن، وأيضًا وقبل كل شيء، أرض الجمال، أرض الشعر والموسيقى واللون، أرض الفن الذي يولد من الرمال..
سعوديون .. فليدم هذا النور!
وليبقَ الفن السعودي.. أغنية الضوء القادم من الرمال.

