: آخر تحديث

الرجل الذي غيّر صناعة الأخبار

2
2
2

لا أزال أتذكر دهشتي حينما علمت أن تلك القناة فقط تبث الأخبار على مدار الساعة! كانت قناة CNN والحدث حرب تحرير الكويت!

البداية كانت قبل ذلك بعشر سنوات! حينما أسس المغامر "تيد تيرنر" شبكة CNN الإخبارية، لم يكن الكثيرون يرون الحاجة إلى قناة تبث الأخبار أربعاً وعشرين ساعة يومياً، كانت الخطوة تبدو أقرب إلى المقامرة الخاسرة منها إلى المشروع الإعلامي، فالأخبار كانت تُبث عبر نشرات محددة صباحاً ومساءً، أما أن يبقى الجمهور متابعاً للأخبار طوال اليوم فقد بدا ضرباً من المبالغة، لكن الرجل الذي دخل عالم الإعلام بعقلية مختلفة، كان يستشرف المستقبل بطريقة لم يرَها الآخرون!

لم يكن "تيرنر "صحفياً تقليدياً، ولا خريج مدرسة إعلامية، بل جريئاً ومؤمناً أن كسر القواعد هو الطريق الوحيد لصناعة نجاحٍ مختلف! ورث شركة إعلانات صغيرة من والده بعد انتحاره المأساوي، ثم انطلق يراكم إمبراطوريته الإعلامية خطوة خطوة، عبر شراء محطات تلفزيونية متعثرة، وتحويلها إلى مشاريع ناجحة.

في السبعينيات، كانت شبكات التلفزة الأمريكية الكبرى مثل ABC وNBC وCBS تتحكم بالمشهد الإخباري، وكانت النشرات المسائية هي اللحظة التي يجتمع فيها الأمريكيون لمعرفة ما يحدث، غير أن "تيرنر" طرح سؤالاً بسيطاً: ماذا لو وقع حدث جلل خارج مواعيد النشرات، لماذا ينتظر المشاهد ساعات طويلة حتى يعرف التفاصيل؟ هذا التساؤل قلب المشهد خلال سنوات معدودة، حينما قرر إنشاء قناة أخبار تعمل طوال اليوم، لم يكن يملك الموارد الضخمة، ولم يكن المعلنون مقتنعين أيضاً، ناهيك عن الخبراء الذي سخر جلّهم من الفكرة، لكنه كان يرى ما هو أبعد من اليوم، كان يدرك أن العالم يتجه نحو السرعة، وأن الجمهور سيصبح أكثر تعطشاً للمعلومة الفورية، وأن التقنية ستجعل البث المباشر جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.

في الأول من يونيو 1980 انطلقت CNN من مدينة أتلانتا، دون أستوديوهات فاخرة أو إبهار تقني، لكن بفكرة ثورية؛ قناة تتابع الأخبار لحظة بلحظة، بلا توقف، مع مرور الوقت وتوالي الأحداث زادت مشاهدات القناة، لكن اللحظة التي غيّرت كل شيء جاءت مع حرب الخليج عام 1991، حين بدأت العمليات العسكرية لتحرير الكويت، كانت CNN تقريباً الشبكة الوحيدة التي تبث مباشرة من بغداد أثناء القصف، ملايين البشر تابعوا الحرب عبرها، وأصبحت القناة مرجعاً للأخبار العاجلة، وتحولت صانعٍ للرأي العام العالمي.

ما فعله "تيرنر" لم يكن مجرد نجاح تجاري، بل إعادة تعريف لأسلوب تقديم الخبر، إذ كان المنتج الإخباري يقدم في وقت محدد، ليتحول إلى تدفقٍ مستمر وبالطبع هذه الفكرة غيرّت الكثير، مثل شكل غرف الأخبار، أسلوب الأخبار العاجلة، تعامل القنوات مع صانعي الأحداث، كما أن هذه الرؤية لم تكن خالية من التحديات، فقد تعرضت القناة لاحقاً لانتقادات تتعلق بالمبالغة في التغطيات العاجلة، وتحويل الأخبار إلى حالة مستمرة من التوتر، لكن تأثيره بقي واضحاً، وبالذات على القنوات التلفزيونية الإخبارية التي نشأت لاحقا، التي بنيت على نفس فكرته وأسلوب نموذجه.

ربما تكمن عبقرية "تيرنر" في أنه لم يسأل ماذا يريد الجمهور اليوم؟ بل فكّر بما يرغب في المستقبل، مما مكّن الأخبار من ألا تكون حبيسة موعد محدد، لم يعد العالم ينتظر نشرة التاسعة مساءً ليعرف ماذا يحدث!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد