الانتخابات المحلية البريطانية عادة تتناول جمع القمامة، والإسكان، والضرائب المحلية، ومشكلات البلدية، لكن مناقشات انتخابات هذا الأسبوع تجاوزت السياسة المحلية. وتحولت انتخابات المجالس المحلية والعمد وبرلمانا اسكوتلندا وويلز إلى ما يشبه استفتاءً حول مستقبل النظام السياسي البريطاني نفسه.
النتائج لم تكن مجردَ انتكاسة للعمال أو تقدماً لحزب «ريفورم». بل انهيار الصيغة السياسية التي حكمت بريطانيا مائة عام، تناوب خلالها المحافظون والعمال على السلطة، وتهمشت الأحزاب الصغرى.
الزلزال الحقيقي جاء من ويلز، الإمارة الصغيرة، أهم المناطق التي وُلدت فيها الحركة العمالية البريطانية الحديثة وسط مناجم الفحم، والنقابات، والصناعات الثقيلة. وحزب العمال من مكونات هوية ويلز السياسية والاجتماعية. نتائج انتخابات الخميس أقرب إلى الإبادة السياسية للحزب في ويلز مع صعود «بلايد كيمرو» (حزب ويلز) كأكبر قوة، وقفزة كبيرة لحزب «ريفورم»، وتراجع العمال إلى موقع هامشي. إنها ليست مجرد خسارة انتخابية، بل ضربة لهوية العمال السياسية.
في اسكوتلندا، خسر الحزب القومي الاسكوتلندي سبعة مقاعد فقط وظل القوة المهيمنة، وسيكون، على الأرجح، حكومة أقلية. لكن اللافت كان صعود «ريفورم» ومكاسب جديدة للخضر.
اسكوتلندا وويلز تؤكدان حقيقة سياسية جديدة: صعود سياسات الهوية الوطنية على حساب الانقسام الطبقي التقليدي. فالأحزاب القومية مثل «القومي الاسكوتلندي» و«بلايد كيمرو» لم تعد مجردَ حركاتٍ احتجاجية، بل قوى حكم فعلية تستند إلى الهوية الوطنية والشعور بالتهميش من قبل وستمنستر.
أما إنجلترا، فقدمت الصورة الأكثر تعقيداً. «ريفورم» حقَّق اختراقات واسعة بانتزاع مئات المقاعد المحلية، وسيطر على مجالس كانت معاقل آمنة للعمال أو المحافظين لأجيال. بينما واصل حزب الخضر اليساري تقدمه في الأحياء الحضرية الثرية والمتعلمة، خصوصاً لندن.
المشهد الجديد أعلن نهاية التعريفات السياسية التقليدية؛ «يمين» و«يسار» لم يعودا كافيين لفهم السياسة البريطانية. «ريفورم»، الذي يصفه كثير من الإعلاميين بـ«يمين متطرف»، يتبنّى سياسات اقتصادية شعبوية يسارية، مثل الملكية العامة للمواصلات والطاقة والتدخل الحكومي في الاقتصاد.
بينما يمثل الخضر طبقة حضرية ميسورة تتبنَّى قضايا البيئة والهوية الثقافية، ولا ذكر لكلمة «أشجار» في برنامج الخضر السياسي.
نقاشات المرشحين مع الناخبين تجاوزت الضرائب والملكية العامة والخاصة، إلى الهجرة، والهوية الوطنية، وأوروبا، وصافي الانبعاثات الصفري، وتكلفة المعيشة، والإسكان، والاحتجاجات المؤيدة لغزة، والثقة في المؤسسات.
الحملات المحلية تحولت إلى نقاش حول الهجرة، والخدمات الصحية، وارتفاع الأسعار، والإسكان، والسياسات البيئية. واختفت الحدود بين السياسة المحلية والسياسة القومية.
الضربة الأخطر للعمال كانت انهيار «الجدار الأحمر»، أي الدوائر العمالية التقليدية التي دعمت «بريكست»، ثم صوتت للمحافظين عام 2019. يتزايد شعور هؤلاء الناخبين بتجاهل وستمنستر الرسالة التي حملها تصويت «بريكست»، وتجاهُل مخاوفهم من الهجرة، والهوية، والضغوط الاقتصادية.
في الوقت نفسه، يستمر نزفُ القاعدة الحضرية التقدمية للعمال لصالح الخضر، خصوصاً في الأحياء الميسورة في شمال لندن والمدن الجامعية، التي تحولت فيها قضايا البيئة وصافي الانبعاثات الصفري إلى مكون من هويتها الثقافية والاجتماعية.
لكن هذه السياسات نفسها تُنظر إليها بصورة مختلفة تماماً في المناطق الصناعية والطبقات العاملة، حيث يخشى كثيرون أن تتحوَّل إلى تهديد للوظائف والطاقة ومستوى المعيشة.
ما بدأ منذ عقد مع «بريكست» يتجاوز اليوم مجرد هجرة الاتحاد الأوروبي؛ فقد تعاملت المؤسسة السياسية البريطانية مع أحزاب ولد منها «ريفورم» (مثل «يوكيب» و«بريكست») بوصفها مجرد ظواهر احتجاجية مؤقتة. أما اليوم، فلم يعد «ريفورم» حركة احتجاج، إذ يُناقش بجدية بوصفه قوة قد تقود الحكومة المقبلة مثل الحزب الأكبر عدداً في البرلمان المقبل.
لكن ذلك أيضاً خطر على الاستقرار السياسي. فترجمة هذه النتائج إلى انتخابات عامة تجعل «ريفورم» الحزب الأكبر بلا أغلبية مطلقة، فيما تتوزَّع بقية المقاعد بين المحافظين والعمال والخضر والليبراليين الديمقراطيين والأحزاب القومية.
وهنا قد تدخل بريطانيا مرحلةً جديدة تشبه النظم الأوروبية القائمة على التحالفات الهشة، لكن من دون الثقافة السياسية التي تسمح بإدارتها بسلاسة.
فقد تتحوَّل كل قضية إلى تحالف مختلف: اصطفاف حول أوروبا والبيئة، وآخر حول الهجرة أو الضرائب أو الإنفاق الدفاعي.
والنتيجة ليست حكومات مستقرة، بل شلل سياسي دائم. وفي قلب هذه المتاهة العاصفة يقف كير ستارمر.
لم يعدِ الأمر مجرد تراجع في شعبيته. الحكومات تستطيع النجاة من استطلاعات رأي سيئة. لكن الخطر الحقيقي أن حزب العمال يخسر في كل الاتجاهات: لصالح «ريفورم» في المناطق العمالية والتقليدية، وللخضر في المدن الكبرى، و«لبلايد كيمرو» في ويلز، وللقومي الاسكوتلندي في اسكوتلندا.
وهذا ليس غضباً عابراً، بل تفكك لتحالفه الانتخابي بعد صدور حكم الناخبين بالفعل. وما ينتظر ستارمر ليس سوى تأجيل لتنفيذ الإعدام السياسي داخل الحزب نفسه.

