في كل حوار يطرحون فيه ما يعتري الجنسية من فساد، نؤكد لهم أن الفساد المستشري بالتعليم مطابق تماماً لهذه الآفة، فتستخدم فيه الأدوات نفسها ليمارس عديمو الدين والتربية هذا الانحطاط الخلقي للاستيلاء على حقوق المواطنين! وسوف نبسّط المفهوم، فالجنسية والتعليم كلاهما بوابة للوصول إلى خزينة المال العام، ويشكّلان إحدى قواعد بناء الدول، فالجنسية تحدد انتماء المواطن للأرض وتكفل له حقوقه، كالأمن والعدالة والمسكن والصحة والتعليم، وفي المقابل يلتزم بواجباته نحو وطنه بالولاء واحترام القانون والحفاظ على الأموال والممتلكات العامة.
فالدولة تستثمر التعليم في عقل المواطن، حتى لا ينحرف للجهل والبهيمية، ولتجعله إنساناً عاقلاً لديه شهادة علمية، ويمكنه الحصول على بعثة ليتطور، فيؤلف الكتب والأبحاث ويؤدي دوره في بناء وطنه، ثم يحصل على راتبه بالحلال ليؤسس أسرته التي هي نواة المجتمع.
هذا التكامل بالحقوق والواجبات داخل المجتمع يأتيه أحياناً غول جرائم الجنسية والتعليم ليفسده ويقوّض أركانه، فيزوّر الجنسية لينتحل المواطنة ويحتال الولاء ويزيّف الانتماء، ويفترس التعليم فيغشّ بالاختبارات ويتلاعب بالدرجات ويزوّر الشهادات ويسرق الكتب والأبحاث، ويستولي على البعثات ويتحايل بالتعيينات والترقيات.
وسنشير هنا إلى نقطة في بحر فساد التعليم، وهي استغلال النفوذ لتمرير مصالح الأقارب بالمؤسسات الأكاديمية على حساب الكفاءات، ولذلك جرّمت المؤسسات الأكاديمية المحترمة تضارب مصالح الأقارب، ومنعت الإشراف المباشر بينهم لحظر المحسوبية وضمان العدالة.
وقبل أكثر من عشر سنوات، كتبنا مقالاً عن بطلان لجنة حكومية لوجود أعضاء حملة شهادات وهمية وآخرين غير متخصصين، فثارت حميّة تيار حزبي وقدّم ضدنا شكوى بالنيابة تطورت لدعوى قضائية، فقدّمنا الأدلة وخسروا الدعوى، ثم جاءنا زعيم الحزب صاغراً يطلب طمس فضيحة الشهادة الوهمية، فرفضنا، وكانت هذه الواقعة أحد أسباب إنشائنا الجمعية الكويتية لجودة التعليم، وتقديمنا لقانون «حظر استعمال الشهادات العلمية غير المعادلة»، الذي أقرّته الحكومة بعد أربع سنوات من المحاولات.
واستمررنا بملاحقتهم، فأحد المشمولين بالدعوى كان متنفذاً بإحدى الكليات ومارس سلوكاً منافياً للقيم الأكاديمية حين تزوّج طالبة سراً، وهو ما تحظره صراحة لوائح أكاديمية ببعض الدول، ومارس كل صلاحياته، فحصلت على بعثة للدراسات العليا بطرق ملتوية، وبإرغام اللجان على قبولها، رغم رفضها لوجود أكفأ منها، وتدخّل بلجان الترقيات حتى أوصلها إلى أعلى درجة أكاديمية، كما تمادى باستغلال النفوذ ففعل الشيء نفسه لإحدى قريباتها!
وطوال سنوات متابعتنا لهذه الجريمة الأكاديمية، وجرائم أخرى مطابقة لها، لم نملك حق الكشف عنها، لكوننا لا نملك الصفة القانونية للاعتراض داخل المؤسسة، كما حدث معنا في أكثر من قضية، وكون الفاعل قد حَبَك فعلته، ولكن تأتي قدرة المولى عز وجلّ بعد أكثر من عشرة أعوام ليقتص - سبحانه - ممن استولوا على حقوق الآخرين من دون وجه حق، فكم دعوة لمظلوم كان مستحقاً لتعيين وترقية وبعثة دراسية وصلت إلى كبد السماء بعد أن هضمت حقوقه لجان النفوذ والظلم؟! فيشاء رب العالمين هذه المرة وينكشف تزوير جنسية الزوجة في عهد الحزم، ويخرّ بنيانهم من القواعد على رؤوسهم، وهُم الذين نطالب بإلزامهم بإعادة ما حصلوا عليه من أموال عامة نتيجة التزوير.
لقد تذكّرنا قوله تعالى «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين»، فبعد أن مكروا بالتعليم واستولوا على حقوق الآخرين، جاء مكر الجبار المتكبر بأن أسقط جناسيهم... والله خير الماكرين.
***
إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.

