محمد سليمان العنقري
القوى الناعمة لم تعد وسائل مساندة بل قطاعات رئيسية داعمة للنشاط الاقتصادي وركيزة مهمة في تعزيز قوة المجتمعات فكرياً وثقافياً وتسويقياً، فأدوارها لا حصر لها وتتداخل بتفاصيل حياة المجتمعات والدول والعالم بكل كبيرة وصغيرة، ويعد الإعلام من أهم القوى الناعمة وأبعاد منافعه كبيرة جداً، وأصبح يمثل محركاً مهماً للنشاط الاقتصادي الدولي ويلعب دوراً مهماً في الناتج الإجمالي العالمي.
إذ تشير بعض الإحصاءات إلى أن الاعلام وما يصنف بأنه جزء من نشاطه الواسع يقدر حجمه بحوالي 2،8 تريليونات دولار، وهو ما يقارب 2،5 بالمائة من الناتج الإجمالي العالمي عند قرابة 110 تريليونات دولار، وطبعاً لا يقتصر هذا الرقم على وسائل الإعلام من صحف ومحطات تلفزيونية أو إذاعات بل جميع منصات الإعلام والمحتوى الرقمي وأنشطة عديدة تتداخل معه.
أما في المملكة فيبلغ حجمه حالياً حسب ما ينشر من تقديرات حوالي 16 مليار ريال ويمثل نسبة 0،3 بالمائة من الناتج الإجمالي البالغ 4،9 تريليون ريال، ومنذ بداية رؤية المملكة 2030 نما الناتج الإجمالي للاقتصاد الوطني 89 بالمائة، وبما أن الإعلام وما يتداخل معه يمثل قطاعاً حيوياً فإن نسبته المحدودة حالياً ينظر لها بإيجابية من جانب أن هناك فرصة كبيرة للاستثمار في هذا القطاع المهم، ويعد من أفضل الفرص إمكانيةً للنجاح، فالهدف زيادة وزنه بالاقتصاد الوطني حسب ما أعلن من قبل الجهات المسؤولة عن القطاع من ناحية التنظيم وأصدار الأنظمة والتشريعات التي تهدف لجذب الاستثمار له، فاذا تم استهداف نسبة 2 بالمائة للقطاع كتمثيل بالناتج الإجمالي المحلي فهذا يعني ارتفاع حجمه إلى نحو 100 مليار ريال سنوياً وفق حجم الاقتصاد حالياً وليس مستقبلاً الذي يتوقع أن يلامس 6 تريليونات ريال عام 2030 وعملياً أمر وارد جداً تحقيق مثل هذه النسبة بنمو الناتج من الإعلام أي أنه سيتضاعف نحو 6 مرات وذلك لتوافر كافة الإمكانيات خصوصاً التوجه الرسمي لدعم الاستثمار بالإعلام.
لكن ما يحتاجه هذا الهدف بالتأكيد له متطلبات وركائز منها ما يعمل عليه حالياً من تأهيل كوادر بشرية وفق برامج أعلنت عنها وزارة الاعلام وبدأ تطبيقها والتي ستلعب دوراً مهماً بتطوير مخرجات تأهيل الإعلاميين، ورفد السوق بطاقات مؤهلة قادرة على قيادة المشهد الإعلامي فالكوادر ركيزة أساسية لنجاح مشروع نهضة الإعلام، يضاف لذلك تطوير وإصدار الأنظمة التي تيسر جذب الاستثمارات للسوق الإعلامي سواء المؤسسات القائمة حالياً أو التي يمكن أن تؤسس مستقبلاً.
ومن الضروري إنشاء مدن إعلامية حاضنة لهذه المؤسسات الجديدة خصوصاً القنوات الفضائية والرقمية، إضافة للمنصات والصحف مع البحث عن أفضل الممارسات التي يمكن لهذه الوسائل أن تحقق دخلاً يساهم باستمرار نشاطها وتطوير دورها خصوصاً تولي التسويق والترويج لقصص نجاحات المملكة بكافة المجالات، إضافة لدورها في التصدي لكل الحملات المغرضة في عالم أصبح الترويج للأكاذيب والإشاعات أمراً بغاية السهولة في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والتي أصبح استخدامها جزء من محاربة الدول وسلاحاً في سباق التنافس الدولي على ريادة الاقتصاد وكل ما يدعمه.
الإعلام يمثل قطاعاً واعداً جداً للاستثمار وتوليد آلاف فرص العمل مع توطين لكافة جوانب هذه الصناعة المهمة في حياة الدول والمجتمعات، فمنذ عقود لم يعد الإعلام صناعةِ سهلة بل أصبح يواجه تحديات أوسع مع منافسة الإعلام الجديد الذي أتاح لكل من يحمل جهازاً ذكياً أن يكون إعلامياً؛ مما يتطلب تكاملاً بالأنظمة والدعم بين كافة الجهات ذات العلاقة بهذا النشاط الحيوي بشكل مباشر أو غير مباشر، واستثماراً لا يتوقف بالكوادر البشرية والتقنيات وتعبئة هذا الفضاء بوسائل تمثل قوة ناعمة قادرة على القيام بدورها؛ لتكون هي قائدة الرأي في فضاء الإعلام وعبر الشبكة العنكبوتية.

