ليس الزمن كما نظنه مجرد أرقام تتوالى على صفحات التقويم أو عقارب ساعة تواصل دورانها بصمت. الزمن أعمق من ذلك بكثير، هو نسق ثقافي يتسلل إلى وعينا منذ اللحظة الأولى، ويعيد تشكيلنا كل يوم دون أن نشعر. نحن لا نعيش الزمن فقط، بل نصبح جزءًا منه، أسرى لمفاهيم صنعتها الثقافة وحددت لنا كيف نشعر باللحظة، وكيف نخشى الغد، وكيف نطارد ماضيًا لن يعود.
كل مجتمع يحمل في داخله تصورًا خاصًا عن الزمن. هناك من يعيشه كمساحة ممتدة من الانتظار والحنين، وهناك من يلهث خلفه كمن يركض في سباق لا ينتهي. وفي الحالتين، لا أحد ينجو من سلطة الزمن، ولا من نسقه الذي يفرض علينا إيقاع الحياة، حتى حين نظن أننا نحن من نتحكم فيه.
في ثقافات كثيرة، الزمن دائري، يعود ليدور بنا في ذات النقطة التي انطلقنا منها، وكأن لا خلاص من تكرار الحكايات. بينما في ثقافات أخرى، يبدو الزمن خطًا مستقيمًا لا يقبل العودة، يدفعنا إلى الأمام رغمًا عنا، ويترك خلفه ذكريات تتكسر في طريقنا دون أن نملك رفاهية الالتفات.
ورغم هذا التباين، يبقى الزمن هو السيد الخفي الذي لا نراه، لكنه يسكن كل تفاصيلنا، يصوغ قراراتنا، ويرسم ملامح الأيام القادمة حتى قبل أن تأتي. نحن نلهث خلف المستقبل، نحمله فوق أعناقنا كما يحمل السجين قيده، ونخشى مفاجآته كأننا نعلم أن الزمن لا يمنحنا سوى الانتظار.
لكن الحقيقة التي كثيرًا ما نتغافل عنها، أننا نحن من نمنح الزمن ملامحه ونصبغ أيامه بلون تجاربنا. الزمن في جوهره محايد، لا يحمل ملامح ولا نوايا، لكنه يصبح قاسيًا حين نملؤه بالخوف، ويغدو خفيفًا حين نسكنه بالرضا والطمأنينة.
أخطر ما نفعله بأنفسنا هو حين نحمل الزمن ذنوبنا، ونلوّنه بأوهام الفقد والانتظار، بينما الزمن لا ينتظر أحدًا ولا يلتفت خلفه. نحن من نصنع مأساتنا حين نحوله من مجرد ممر إلى سجن ضيق الجدران.
في النهاية، لا أحد يملك الزمن، ولا أحد يستطيع الإمساك به. لكنه مع ذلك يملكنا جميعًا، يُشكّل وعينا، ويحدد مساراتنا، ويتركنا نواجه سؤالًا لا إجابة له: هل نعيش الزمن حقًا، أم أنه هو من يعيش فينا؟


