تدخل مالي اليوم مرحلة دقيقة تتسم بتعقيد غير مسبوق، بعد الهجمات المنسّقة التي استهدفت محيط باماكو وعدداً من مدن الشمال والوسط. ورغم أن مؤسسات الدولة ما زالت قائمة، فإن ما جرى أعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الاستراتيجية المعتمدة، وحدود الرهان على الحل العسكري في بيئة تتسم بتشابك أمني وجغرافي وسياسي واجتماعي بالغ التعقيد.
ما يحدث في مالي هو صورة مصغرة لما ينتظر دولاً أخرى في غضون سنوات، بل ربما أشهر فقط، لأن مالي هي العربة التي تجرّ قطار الأحداث في منطقة الساحل. بل إنَّ مالي أكثر من ذلك، فهي تلعبُ دوراً محورياً في توازن منطقة غرب أفريقيا، وبوابة مفتوحة على شمال أفريقيا وأوروبا، وكل ما يحدث في هذه الدولة الفقيرة والهشة يؤثر في دائرة أوسع من العالم.
لذا فإن فهم ما يجري في مالي، والبحث عن حلول له، ليس ترفاً ولا رفاهية، بل إنه إسهام في استقرار المنطقة والعالم.
الواقع الميداني يُظهر أن الجماعات المسلحة في مالي، وعلى رأسها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، لم تعد تسعى بالضرورة إلى السيطرة الفورية على المدن الكبرى، بل إلى إضعاف الدولة عبر استنزاف طويل النفس، ظهرَ ذلك في الحصار الذي فرضته على باماكو في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، وخنقها لمدن أخرى في الوسط.
كما يظهر في بيانات وزعتها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، كانت تحاول فيها استثمار خنق هذه المدن وحصارها، واستغلال أزمات الدولة، من أجل تأكيد فشل مشروع المجلس العسكري الحاكم في مالي، وتدعو إلى ثورة شعبية ضده، بل تحذر من الفراغ، وكأنها من خلال ذلك تقترح نفسها بوصفها مشروعاً بديلاً.
هذا التحول في خطاب «نصرة الإسلام والمسلمين»، والتغير الكبير في التكتيك يعكسان فهماً متقدماً لطبيعة الصراع في الساحل، حيث تصبح السيطرة الترابية أقل أهمية من القدرة على تعطيل مؤسسات الدولة وشلّ حركتها.
يمكنُ القول إن سبب هذا التغير الكبير في منهجية عمل جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» هو كونها أصبحت حركة «جهادية» محلية أكثر من كونها تنظيماً «جهادياً» يحمل أجندات إقليمية أو عالمية، خصوصاً أنه يقادُ الآن من طرف شخصيات مالية تحمل معها مظالم اجتماعية وسياسية، مثل إياد أغ غالي وأمادو كوفا وآخرين.
لم يخرج الفرنسيون من مالي، حتى نجحوا في قطف جميع رؤوس «الجهاد» الأجانب في مالي، فتمت تصفية الجزائريين والموريتانيين والليبيين من قيادة التنظيم، ومع الوقت تحول إلى نسخة محلية من تنظيم «القاعدة»، تحملُ خطاباً أقرب إلى المظلمة الاجتماعية والسياسية، رغم احتفاظه بهدف تطبيق الشريعة في مالي.
في المقابل، وجدت السلطات المالية نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فبدلاً من الانتشار الواسع، بات التركيز منصباً على حماية المراكز الحضرية والمحاور الحيوية، وهو خيار مفهوم من الناحية العسكرية، لكنه يعكس أيضاً انتقالاً من منطق «استعادة السيطرة» إلى منطق «إدارة المخاطر». هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجعاً استراتيجياً، بقدر ما يعكس إدراكاً لحدود القدرة على التحكم في مجال جغرافي شاسع ومعقّد.
ضمن هذا السياق، يبرز دور الفيلق الأفريقي-الروسي، الذي أعاد تشكيل حضوره بعد تفكيك مجموعة «فاغنر» ضمن ما يُعرف بـ«أفريكا كور». فقد أظهرت التحركات الأخيرة مزيجاً من الانسحاب التكتيكي من بعض المواقع النائية، مقابل تعزيز الوجود في النقاط الاستراتيجية، خصوصاً القواعد الجوية ومحاور الإمداد. هذا النمط من الانتشار يعكس بدوره قراءة براغماتية للميدان: تقليص المخاطر في المناطق الهشّة، والتركيز على حماية ما يمكن حمايته.
غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته التكتيكية، يطرح تحديات على المدى المتوسط. فالاكتفاء بالدفاع عن المدن قد يترك فراغات في المجال الريفي، تستثمرها الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها، ما يعيد إنتاج الحلقة نفسها من عدم الاستقرار. وهنا تبرز المعضلة الأساسية: كيف يمكن تحقيق توازن بين حماية الدولة ومنع خصومها من ترسيخ حضورهم خارج المراكز الحضرية؟
حين وصل المجلس العسكري إلى الحكم في مالي عام 2020، كان متحمساً للخيار العسكري وقدرته على حسم كل شيء. دون تردد قرر المجلس التخلي عن الشراكة مع فرنسا والغرب، وهو بذلك يتخلى عن استراتيجية كانت تقوم على محورَين لمحاربة الإرهاب: محور عسكري وآخر تنموي، وذلك بعد سنواتٍ من الحرب أدركوا في نهايتها أن كل سلاح الدنيا لا يمكنُ أن يُنهي هذه الحرب ما لم يطمئن الناس إلى الدولة ويكونوا شركاء في تنمية حقيقية.
اليوم يبدو أن المجلس العسكري يقف عند نقطة سبق أن وقف فيها الفرنسيون، حين دخلوا منطقة الساحل على متن طائرات «الميراج»، وفي النهاية أرغموا على النزول إلى الأرض وتشييد المستشفيات والمدارس!
سياسياً، تحاول السلطة الانتقالية بقيادة أسيمي غويتا الحفاظ على خطاب يؤكد السيطرة واستمرارية الدولة. غير أن التحدي لا يكمن فقط في إدارة المعركة العسكرية، بل في كسب معركة الثقة، سواء داخلياً أو خارجياً. فالمجتمعات المحلية في الشمال والوسط لم تعد تقيس شرعية الدولة بقدرتها على الحضور العسكري فقط، بل بقدرتها على توفير الأمن والخدمات والعدالة.
إقليمياً، تتداخل الأزمة المالية مع أزمات مماثلة في بوركينا فاسو والنيجر، مما يجعل من الصعب فصل الساحات بعضها عن بعض. فالجماعات المسلحة تتحرك ضمن فضاء مفتوح، مستفيدة من الحدود الهشّة وضعف التنسيق الإقليمي. وهذا الواقع يحدّ من فاعلية أي مقاربة أحادية، ويعزّز الحاجة إلى تنسيق أوسع يتجاوز الحسابات الضيقة.
في ضوء ذلك، يبدو أن الرهان على «الحل العسكري الحاسم» يواجه حدوداً موضوعية. فالتجارب السابقة في الساحل أظهرت أن القوة العسكرية، رغم ضرورتها، لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار. بل إن الإفراط في الاعتماد عليها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذا لم يُواكب بمسار سياسي شامل يعالج جذور الأزمة.
وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر توازناً، تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة. أولاً، تعزيز القدرات الدفاعية للدولة بطريقة تضمن حماية المراكز الحيوية دون الانجرار إلى استنزاف مفتوح. ثانياً، إطلاق مسار سياسي يعيد فتح قنوات الحوار، سواء مع الفاعلين المحليين أو ضمن أطر أوسع، بما يسمح بإعادة بناء الثقة. وثالثاً، تحسين الحوكمة والخدمات في المناطق الهشة، لأن الفراغ الإداري غالباً ما يكون المدخل الأهم لتمدد الجماعات المسلحة.
لا يعني ذلك التقليل من خطورة التهديد الأمني، ولا الدعوة إلى التهاون معه، بل الإقرار بأن طبيعة الصراع في مالي تتطلّب أدوات متعددة، لا تقتصر على البعد العسكري وحده. فالدولة التي تسعى إلى استعادة حضورها في الشمال والوسط تحتاج إلى أكثر من القوة: تحتاج إلى مشروع سياسي واقتصادي قادر على استيعاب التعقيدات المحلية.
في المحصلة، تقف مالي اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تستمر في مسار يراهن أساساً على القوة العسكرية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر الاستنزاف، وإما أن تتجه نحو مقاربة أكثر شمولاً، تعترف بحدود القوة وتستثمر في السياسة والتنمية. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل الاستقرار في بلد ظل، لعقود، يبحث عن توازن لم يكتمل بعد.

