: آخر تحديث

حماية المستقبل

2
3
2

في الشرق الأوسط تحديدًا، تبدو القرارات الأكثر هدوءًا أحيانًا هي الأكثر صعوبة، وما يحدث اليوم يكشف تحوّلًا مختلفًا؛ فالدول التي أدركت حجم التحولات الاقتصادية والأمنية العالمية، بدأت تنظر إلى التهدئة باعتبارها خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، وليس هدنة مؤقتة، فالمنطقة وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها كلفة الفوضى أعلى من مكاسب المواجهة. الاقتصاد العالمي يعيش هشاشة متزايدة، وأسواق الطاقة تتحرك تحت ضغط القلق، والممرات البحرية لم تعد مجرد تفاصيل جغرافية، إذ تحولت إلى أعصاب مباشرة للاقتصاد الدولي، لهذا تبدو أي مواجهة واسعة في المنطقة قادرة على إنتاج ارتدادات تتجاوز حدود السياسة إلى الغذاء والتجارة والتضخم والاستثمار.

في المقابل، بدأت دول كثيرة تعيد تعريف مفهوم القوة، فالقوة اليوم لم تعد مرتبطة بحجم القدرات العسكرية فقط، إذ أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة الدول على حماية النمو، والحفاظ على الاستقرار، وتأمين استمرارية الاقتصاد وسط عالم متوتر. لهذا أصبحت التهدئة جزءًا من معادلة النفوذ السياسي، والدول الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تستطيع منع الانهيار، واحتواء التصعيد، وإبقاء المصالح الكبرى في حالة توازن.

التحولات التي تشهدها المنطقة تكشف أيضًا أن الشعوب نفسها تعبت من الحروب الطويلة، الشرق الأوسط أمضى عقودًا وهو ينتقل من أزمة إلى أخرى، حتى أصبح الاستقرار مطلبًا شعبيًا واقتصاديًا وسياسيًا في آن واحد.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو التهدئة أكثر ارتباطًا بمفهوم «حماية المستقبل»، فالدول التي تبني اقتصادات ضخمة، وتستثمر في التحول الوطني، وتنافس عالميًا في الطاقة والتقنية والسياحة والاستثمار، تدرك أن الاستقرار لم يعد ملفًا أمنيًا فقط، إذ أصبح شرطًا أساسيًا لاستمرار التنمية، ومن هنا تكتسب القرارات الهادئة ثقلها الحقيقي، لأنها تنظر إلى ما بعد اللحظة، وإلى ما بعد ردود الفعل العابرة.

وفي قلب هذه التحولات، تبدو المنطقة أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية، لأن إدارة الأزمات لم تعد مرتبطة بسرعة الردود فقط، وإنما بقدرة الدول على منع الانزلاق نحو مواجهات مفتوحة يصعب احتواء نتائجها لاحقًا، فكل تصعيد جديد يحمل معه احتمالات أوسع للاضطراب الاقتصادي، ويفتح المجال أمام موجات قلق عالمية تمتد من أسواق المال إلى سلاسل الإمداد والطاقة، ولهذا أصبحت التهدئة جزءًا من مفهوم أوسع يرتبط بحماية الاستقرار الدولي، وليس تهدئة نزاع عابر داخل منطقة مشتعلة فقط.

كما أن التحولات الجارية تكشف أن العالم بدأ يمنح الأولوية للدول القادرة على إنتاج الاستقرار أكثر من تلك التي تصنع الأزمات، فالمكانة السياسية في المرحلة الحالية لم تعد تبنى عبر الخطابات الحادة وحدها، وإنما عبر القدرة على صناعة التوازن، وحماية المصالح، وخلق بيئات آمنة للتنمية والاستثمار والتعاون الدولي. ومن هنا تبدو التهدئة خيارًا يعكس نضجًا سياسيًا يتعامل مع المستقبل بوصفه مسؤولية طويلة المدى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد