: آخر تحديث

من توطين الوظائف إلى توطين المعرفة

2
1
1

منيرة أحمد الغامدي

في الاقتصادات الحديثة، لم يعد نجاح الدول يُقاس فقط بعدد الوظائف التي توفّرها، بل بقدرتها على تحويل الخبرات المستقطبة إلى معرفة محلية مستدامة. فالدول الطموحة لا تكتفي باستقطاب الكفاءات العالمية، بل تسعى إلى أن تترك تلك الكفاءات أثرًا مهنيًا ومعرفيًا طويل المدى داخل اقتصادها الوطني. وفي السعودية ومع التحولات الكبرى التي تقودها رؤية السعودية 2030، تحقق سوق العمل قفزات لافتة في نسب التوظيف وتمكين الكفاءات الوطنية، إلا أن السؤال الأهم اليوم لم يعد كم عدد السعوديين العاملين؟ بل: كيف نُسرّع انتقال السعوديين إلى الوظائف النوعية والقيادية والتخصصية؟

هنا تظهر أهمية التفكير في مفهوم جديد للتوطين، لا يقوم فقط على شغل الوظيفة، بل على نقل الخبرة نفسها، فالكثير من المنشآت تستقطب خبرات أجنبية عالية الكفاءة في قطاعات متقدمة كالتقنية والاستشارات والطاقة والذكاء الاصطناعي، وهي خبرات تمثل قيمة كبيرة للاقتصاد، لكن الأثر الحقيقي لا يكتمل إذا انتهى العقد دون أن تترك تلك الخبرة معرفة متراكمة لدى الكوادر الوطنية.

فالكثير من الاقتصادات المتقدمة لم تعد تنظر إلى استقطاب الخبرات الأجنبية بوصفه حلًا مؤقتًا لسد الاحتياج فقط، بل كأداة إستراتيجية لبناء Human Capital قادر على قيادة القطاعات مستقبلًا. ولهذا أصبحت مفاهيم مثل Knowledge Transfer وLocalization of Expertise وSuccession Planning جزءًا أساسيًا من العقود الكبرى والمشاريع الوطنية في عدد من الدول الطموحة.

من هنا يمكن طرح مقترح عملي ومتوازن يتمثل في ربط العقود الأجنبية النوعية بمسارات تطوير سعودي موازية، بحيث تُلزم المنشآت التي تستقطب خبرات أجنبية عالية القيمة بإرفاق «ملحق تطوير وطني» يتضمن تدريب سعودي، أو تأهيله مهنيًا، أو إشراكه في مسار Shadowing Program ملازم للخبير، أو إعداد خطة Knowledge Transfer وإحلال تدريجي خلال مدة زمنية محددة.

هذا المقترح لا يقوم على التضييق على الخبرات الأجنبية، ولا يُبنى على تضاد للاستقطاب الدولي، بل على العكس تمامًا؛ فهو ينطلق من قناعة بأن الاقتصاد السعودي يحتاج إلى أفضل الخبرات العالمية، لكنه يحتاج كذلك إلى ضمان تحوّل هذه الخبرات إلى مدرسة تدريب غير مباشرة للكفاءات الوطنية.

كما أن الفكرة لا تعني تحميل الموظف الأجنبي أي استقطاع أو انتقاص من حقوقه، بل تُعامل كجزء من مسؤولية المنشأة في تعظيم National Value Creation داخل الاقتصاد المحلي، تمامًا كما تُلزم الشركات في بعض دول العالم بممارسات تتعلق بنقل التقنية أو تطوير Local Content.

ويمكن كذلك تطبيق مثل هذه المبادرات تدريجيًا وبمرونة تختلف بحسب القطاع وحجم المنشأة وطبيعة التخصصات النادرة، بما يحافظ على تنافسية السوق السعودية وجاذبيتها للكفاءات والاستثمارات العالمية، دون الإخلال بأهداف التوطين وبناء رأس المال البشري الوطني. والأهم أن هذا التوجه قد يخلق تحولًا حقيقيًا في مفهوم التوطين؛ إذ ينتقل من توظيف شكلي أحيانًا إلى بناء مسارات مهنية عميقة تتيح للسعوديين الاحتكاك المباشر بالخبرات العالمية داخل بيئة العمل نفسها، بدل الاكتفاء بالدورات النظرية أو برامج التدريب القصيرة. فالوظيفة قد تنتهي بانتهاء العقد، لكن المعرفة التي تنتقل إلى السعودي قد تبقى لعقود. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأي تعاقد نوعي وليس فقط في إنجاز المهمة الآنية، بل في بناء قدرة وطنية مستدامة تستطيع لاحقًا قيادة القطاع بنفسها.

إن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس في استقدام الخبرة، بل في ضمان بقاء أثرها، فالدول التي تبني اقتصادًا معرفيًا قويًا لا تستورد المهارات لتبقى معزولة، بل تجعل كل خبير أجنبي نقطة انطلاق لصناعة خبير وطني جديد. ولهذا قد يكون الوقت مناسبًا للانتقال من مفهوم توطين الوظائف إلى مفهوم أعمق وأكثر استدامة الا وهو توطين المعرفة ففي النهاية، لا يُقاس نجاح أي اقتصاد بعدد العقود التي يوقّعها، بل بعدد القدرات الوطنية التي استطاع أن يبنيها من خلالها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد