: آخر تحديث

"6" مليارات إعلامي.. الفوضى القادمة!

1
1
1

ناقشتُ مؤخراً في برنامج «سيدتي» على قناة روتانا خليجية موضوعاً مهماً وحساساً، ويتطور بصورة متسارعة وهو: كيف تغيّرت الصحافة في عصر الخوارزميات؟ وهل ما نعيشه اليوم لا يزال إعلاماً بالمعنى المهني المعروف، أم أننا دخلنا مرحلة جديدة أصبحت فيها التقنية هي من تقود المشهد وتحدد اتجاهاته؟ مع الخطر الذي يواجه الصحافة من عشرة أو عشرين عاماً تقريباً، فبعد أن كان الوصول للمعلومة هو التحدي الأصعب، أصبح التحدي في التحقق من مصداقية المعلومة.

وأنا أتحدث في البرنامج عن هذا المشهد مع الزميلة رؤى ريان، أشرت لمقال كتبته عام 2013م بعنوان: (850 مليون إعلامي جديد!)، تناولت فيه بصورة استشرافية و(مبكرة) التحولات القادمة مع انفجار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، حين أشرت وقتها إلى أن العالم يعيش مرحلة أن كل شخص قادر على النشر والتصوير والتأثير وصناعة الرأي العام من هاتفه الجوال، وقتها كان الرقم يبدو صادماً، إذ تحدثت عن أكثر من 850 مليون مستخدم للأجهزة الذكية حول العالم، وعن عشرات الملايين من المشاهدات اليومية عبر يوتيوب وتويتر وفيسبوك، وعن التحول الذي سيجعل «الإعلام الجديد» منافساً حقيقياً للإعلام التقليدي.

ولكن اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات من «مقالي السابق»، نجد أن العالم تجاوز «ستة مليارات» مستخدم للإنترنت، وأكثر من خمسة مليارات مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يعني عملياً أن كل شخص يملك هاتفاً ذكياً أصبح قادراً على التصوير والنشر والتحليل والتأثير وصناعة الجدل خلال ثوانٍ، فتحول النشر بلا ضوابط مهنية واضحة، وأصبح وصف «إعلامي» يُطلق بسهولة شديدة، وكأن المهنة لم تعد تحتاج إلى خبرة أو تدريب أو مسؤولية.

الأخطر أن الخوارزميات لم تعد تتحكم فقط في الانتشار، بل أصبحت تتحكم حتى في القيمة الاقتصادية للإعلام والإعلانات، فحجم الإنفاق الإعلاني على منصات التواصل تجاوز مئات المليارات عالمياً، مع ترويج الخوارزميات للمحتوى الأكثر إثارة وتفاعلاً إلى الواجهة، حتى لو كان مضللاً أو ضعيف الجودة، ولهذا ظهرت عالمياً مشكلات ضخمة تتعلق بالتفاعل الوهمي والتضليل الإعلاني والحسابات الآلية التي تخدع أحياناً حتى المعلنين أنفسهم!

المؤسف أننا حالياً نعيش في ظل «الفوضى المعلوماتية» التي قد تؤثر على القرارات العامة والخاصة، إذا انتشرت المعلومة غير الصحيحة بشكل واسع، وتدفعها الخوارزميات باستمرار لأنها تحقق تفاعلاً أكبر، فإنها قد تتحول تدريجياً إلى قناعة لدى جزء من الجمهور، حتى لو كانت غير دقيقة، وهنا تصبح الخوارزمية قادرة على التأثير في الرأي العام والقرارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضاً، دون وجود مسؤولية تحريرية واضحة كما كان يحدث في الإعلام التقليدي، وما شاهدناه خلال التغطيات المرتبطة بالأزمات والحروب الأخيرة يؤكد حجم هذا التحول، حيث أصبحت الشائعة أحياناً أسرع من الخبر الرسمي، وأصبح «الترند» قادراً على توجيه النقاش العام أكثر من الحقائق نفسها.

هذه الظاهرة لا تعاني منها منطقتنا فقط، بل حتى المؤسسات الإعلامية الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا، فالجميع يشتكي من هيمنة الخوارزميات على صناعة المحتوى، لأن المنصات الرقمية أصبحت تفضّل ما يحقق التفاعل لا ما يحقق القيمة المهنية، ولهذا أصبح كثير من المحتوى يُصنع اليوم لإرضاء الخوارزمية، لا لإقناع الإنسان، خصوصاً مع تطور الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى الآلي، حيث سنصل إلى مرحلة «صعوبة» التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصنوع.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد