في عالم تتسارع فيه الأزمات، لم يعد الاستقرار أمرًا يمكن الاعتماد فيه على الظروف وحدها. هناك دول تشعر بالأزمة فور وقوعها، وأخرى تمر عليها الأزمات دون أن تتحول إلى قلق يومي للمواطن. الفرق لا يُقاس بحجم الموارد فقط، بل بقدرة الدولة على الاستعداد قبل الحاجة. الخزن الاستراتيجي هو أن تمتلك الدولة احتياطيات مدروسة من السلع الأساسية: الغذاء، والمياه، والطاقة، والأدوية.. تكفي لتغطية احتياجاتها لفترة محددة عند تعطل الإمدادات أو اضطراب الأسواق. هذا الاحتياطي لا يُبنى للاستخدام اليومي، بل لضمان الاستمرارية عندما تتعقد الظروف، ولذلك يُدار بمنهجية دقيقة تشمل تقدير الاستهلاك، وسرعة التوزيع، واستمرارية التجديد، بحيث يبقى جاهزًا في كل وقت. خلال جائحة كورونا، ومع تعطل سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن، لم تكن المشكلة في توفر السلع عالميًا فقط، بل في القدرة على الوصول إليها في الوقت المناسب. في تلك المرحلة، لا تُقاس الأزمة بالأرقام فقط، بل بما يعيشه الناس على أرض الواقع.
أتذكر تلك الفترة جيدًا، عندما كان زوجي في لندن خلال الأسابيع الأولى من الإغلاق، وكان يصف لنا مشهدًا مختلفًا تمامًا عمّا كنا نعيشه هنا. رفوف المتاجر كانت شبه فارغة، والبحث عن بعض السلع الأساسية لم يكن أمرًا سهلًا، بل أصبح جزءًا من القلق اليومي. هذا المشهد لم يكن في دولة صغيرة أو محدودة الإمكانيات، بل في واحدة من أكبر اقتصادات العالم. في المقابل، كنا في الرياض نتابع ما يحدث حول العالم، دون أن يتحول ذلك إلى معاناة داخلية. السلع متوفرة، والأسواق مستقرة، والحياة -رغم ظروف الجائحة- لم تفقد توازنها. هذا التباين لم يكن صدفة، بل نتيجة فارق في الاستعداد.
الدول لا تُختبر فقط عندما ترتفع الأسعار.. بل عندما تختفي السلع.
في هذا السياق، تتضح أهمية الخزن الاستراتيجي كركيزة للأمن الاقتصادي. في الغذاء، تمتلك المملكة قدرات تخزينية للحبوب تُقدّر بنحو 2.7 مليون طن، مع احتياطيات من القمح تغطي عدة أشهر من الاستهلاك، ما يمنح السوق مرونة في مواجهة أي انقطاع مفاجئ. وفي المياه، تم إنشاء منظومات تخزين ضخمة بسعات تصل إلى ملايين الأمتار المكعبة، لضمان استمرارية الإمدادات حتى في الظروف الطارئة. أما في الطاقة، وهي إحدى أهم ركائز الخزن الاستراتيجي، فإن الصورة أوسع من مجرد الاحتياطي. فبينما تُلزم دول وكالة الطاقة الدولية بالاحتفاظ بمخزونات نفطية تعادل 90 يومًا من صافي الواردات، تتميز المملكة بقدرتها على الجمع بين الاحتياطي، والإنتاج، والبنية التحتية، ومسارات النقل البديلة، ما يجعلها قادرة ليس فقط على تأمين احتياجاتها، بل على الإسهام في استقرار الأسواق العالمية.
وهنا يتضح الفارق بحدة. في دولٍ يبدأ القلق مع أول تأخر في الشحنات.. وفي السعودية، تستمر الإمدادات لأن الاستعداد سبق الأزمة. بعض الدول تخزن لأنها تخشى الانقطاع، بينما تُدار في المملكة منظومة متكاملة تجعل الانقطاع أقل احتمالًا من الأساس.
انعكاس هذه المنظومة لا يظهر في الأرقام فقط، بل في حياة الناس. المواطن قد لا يرى هذه الاحتياطيات، ولا تفاصيل ما يُدار خلف الكواليس، لكنه يلمس النتيجة يوميًا في توفر الغذاء، واستقرار المياه، واستمرارية الطاقة، وثبات الأسواق.
اقتصاديًا، يمنح الخزن الاستراتيجي الدولة قدرة على التحكم في توقيت تدخلها، ويحد من تقلبات الأسعار، ويخفف من أثر الصدمات العالمية. وسياسيًا، يعزز استقلال القرار، ويمنح الدولة مساحة للتعامل مع الأزمات دون ضغط اللحظة. وفي هذا الإطار، أكدت القيادة السعودية على أهمية الاستعداد والاستباق، حيث شدد سمو ولي العهد على استشراف الفرص وبناء القدرات لمواجهة التحديات، وهو ما ينعكس في تطوير منظومات تؤمّن استمرارية الإمدادات وتحافظ على استقرار الاقتصاد. ما نعيشه اليوم في المملكة لم يأتِ صدفة، ولم يكن نتيجة ظرف مؤقت، بل نتيجة تخطيط طويل، واستثمارات استراتيجية، وقرارات اتُخذت قبل أن تحتاجها الدولة. لم تنتظر المملكة الأزمات لتفكر في الحلول، بل بنت قدرتها قبل أن تُفرض عليها الظروف. في النهاية، قوة الدول لا تُقاس بما تملكه في أوقات الاستقرار، بل بما تستطيع الحفاظ عليه عندما يضطرب العالم.
المواطن قد لا يرى هذه الاحتياطيات.. لكنه يرى النتيجة كل يوم. يرى الاستقرار في أبسط تفاصيل حياته.
وهذا هو الفارق الحقيقي: أن تعيش مطمئنًا.. لأن دولتك لم تنتظر الأزمة لتتحرك، بل سبقتها.

