عبدالرحمن الحبيب
«فكرة التشبث بالبحث عن إطار محدد للنظام الدولي الناشئ، يحجب عنا رؤية العالم بوضوح» وفقاً لما كتبه باراغ خانا (المؤلف والخبير في الجغرافيا السياسية والعولمة) في أطروحته الأخيرة بمجلة فورين بولسي بعنوان «نظام بلا نظام»، موضحاً أنه: «كلما تعمقنا في دراسة أي جزء من العالم، انهارت التعميمات حول التسلسل الهرمي للقوى الدولية، وتجلت الطبيعة غير الخطية لعالمنا المعاصر»، فزمن أحادية القطب بأمريكا أو ثنائيته مع الصين يتلاشى، مؤكداً أن السمات شبه القروسطية لعصرنا: الدول الإمبريالية، والشركات متعددة الجنسيات، والمجتمعات الرقمية عديمة الجنسية، يجب النظر إليها من منظور إقليمي متنوع.
لفهم هذا التنوع يقترح خانا أن نتجاوز عناوين الأخبار المبتذلة من قبيل «من هو رقم واحد؟ أمريكا أم الصين؟» إلى منظور أكثر شمولية، مسترجعاً أطروحات مفكرين تدعو إلى تنويع مجال العلاقات الدولية، مستفيدة من أعمال البروفيسور هيدلي بول عام 1977، الذي طرح فكرة «العصور الوسطى الجديدة»، حيث تتداخل السلطات وتشابك الولاءات، متجاوزةً بذلك نظام الدولة الأوروبية الحديثة.
يرى خانا أن أصعب جوانب إيجاد المصطلح المناسب لوصف عالمنا الحالي هو التركيز المفرط على تعريفه وهو في حالة فوضى، منتقداً الطرح الغربي التقليدي: «نظرية العلاقات الدولية الغربية، التي تحاول تحديد القواعد والمؤسسات للنظام العالمي أو الدولي الناشئ. لكن لا شيء في الطبيعة الجوهرية للتاريخ أو الجغرافيا السياسية يستلزم وجود نظام ثابت ومحدد.»
الجغرافيا السياسية حسب خانا تشمل «مستويات ومجالات متعددة، سواء أكانت إقليمية أو مالية أو رقمية..
والمشهد العالمي اليوم مليء بأنظمة شديدة الاختلاف تتفاعل بطرق متعددة، دون وجود بديل موثوق يلوح بالأفق؛ فلا وجود لقوى تحافظ على الوضع الراهن، ولا مؤسسات فعَّالة للحوكمة العالمية.»
في نقده للأكاديميين بتعميماتهم النظرية، يقول خانا: «بدلاً من أن يُبدي الأكاديميون القابعون وراء مقاعدهم آرائهم حول مسلسل «من سيصبح القوة العظمى؟»، ينبغي النظر إلى القوى التي لها نفوذ أكبر أو أقل، وأين وكيف تتم ممارسة هذا النفوذ.»
يرى خانا أن النصف الغربي من الكرة الأرضية أحادي القطب حالياً، كما كان دائماً تحت هيمنة الولايات المتحدة، لكن تختلف الصورة تماماً عند الانتقال إلى النصف الآخر، فأوروبا أخيرًا تبذل كل جهدها للتخلص من اعتمادها على الولايات المتحدة.
كما يُظهر نطاق المحيطين الهندي والهادئ أنه ليس للصين ولا للهند، ولا تستبعدوا الولايات المتحدة من أوراسيا، فأوروبا والهند واليابان تؤكد مصالحها الإستراتيجية، وهي بحاجة إلى واشنطن لضمان عدم هيمنة بكين على نصف الكرة الشرقي.
وفي غرب آسيا أولت دول الخليج النفطية الأولوية للتحديث الداخلي والتنويع الاقتصادي، مع ميل علاقاتها التجارية في مجال الطاقة نحو الشرق وشراكاتها العسكرية نحو الغرب. كما تستمر بعض الدول-المدن مثل سنغافورة بممارسة نفوذ يفوق حجمها بكثير، وأصبحت مراكز جذب لرؤوس الأموال، في حين شكّلت مجموعة من المراكز مثل لشبونة وأثينا ودبي وبالي، شبكةً تتدفق عبرها الشركات الناشئة.
هذا المشهد الجديد الذي يُشبه العصور الوسطى ليس مشهد انتصار أو دمار حسب تعبير خانا الذي يخلص إلى أن زمن العالم أحادي القطب قد ولَّى نظرياً وعملياً، لكن لن يحلّ محله أي نظام أو قوة واحدة؛ فنحن لا ننتقل من عالم مستقر من الدول القومية إلى فترة من الفوضى ما بعد القومية، بل نشهد ظهور أنماط لا تتناسب مع التسلسلات الهرمية التقليدية للقوى الدولية.
أخيراً يختم خانا بقوله: «لم يُطلق على العصور الوسطى هذا الاسم إلا بعد انقضائها بزمن طويل. واليوم، علينا أن نتعلم كيف نُدرك العصور الوسطى الجديدة التي نعيشها بالفعل.»

