في الحادي عشرَ من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1947 وقفَ الزعيمُ البريطانيُّ ونستون تشرشل في البرلمان وقال: الديمقراطيةُ أسوأ أنظمةِ الحكم مقارنة بغيرها. هذه العبارة تشرحُ مرارةَ الزعيم تشرشل بعد خسارته الانتخابات في عام 1945، وهو المحرّرُ بلاده من النازية والفاشية. والخميس 7 مايو (أيار) صوَّت الناخبون البريطانيون في انتخابات محلية ضد زعيم «حزب العمال» ستارمر، رغم جهوده المضنية لإخراج البلاد من أزمات اقتصادية، وهجرة، وفي ظل أزمات كبرى مثل حرب أوكرانيا وإيران. المشترك في الحالتين أن الجماهير تصوّت بعاطفتها، وتنصت بسرعة لمن يَعِدها بالسمن والعسل، وإلا لما خسر تشرشل أمام كليمنت أتلي، ولا انسحق ستارمر أمام زعيم «حزب الإصلاح» نايجل فراج. وقد يتساءل المرء: كيف يمكن لمجتمع عالي الثقافة كبريطانيا أن يقفز فوق حقائق، ويصوّت لوعود شعبوية لا تقوى على الصمود البتة أمام التدقيق؟ الإجابة شرحها أفلاطون الناقم على الديمقراطية بعد إعدام أستاذه سقراط بحجة إفساده للشباب، وهو المصلح الأكبر، وشرحتها أكثر الفيلسوفة حنا آرنت في كتابها «جذور الاستبداد»، وكذلك كتّاب آخرون، بأن الانتخابات تتحول في لحظةٍ ما إلى أداة لقتل الديمقراطية حال فقدان الناس الإيمان بالسياسيين، والمؤسسات، والقانون، وغياب التوافق على قضايا مشتركة.
في انتخابات بريطانيا كانت كل الدلائل تشير إلى فوز «حزب الإصلاح» اليميني المتشدد؛ لأن ساسة «حزب العمال» فشلوا في إصلاح الاقتصاد، ومنع التضخم، والحفاظ على ثقافة البلاد، ورصّ وحدة المجتمع، وضمان فرص عمل، وردم الهوة بين الفقراء والأغنياء... غير أن هذه المشاكل لم تبدأ مع ستارمر، بل ورثها من «حزب المحافظين». ولما كان الناخب يصوّت بعاطفته ورغبته في الانتقام ممن جلبوا المآسي، وبالتحديد من حزبَي «العمال» و«المحافظين»؛ كان طبيعياً أن تستهويه وعود زعيم «حزب الإصلاح» نايجل فراج الشعبوية، ويصوّت له، ليس كاحتجاج، بل كبديل لم يُجرب بعد. النتيجة هزيمة ساحقة لـ«حزب العمال»، وكذلك «المحافظين»، وفوز كاسح لـ«حزب الإصلاح»، و«حزب الخضر» الذي تمكن من كسب أصوات محتجين من الطبقة الوسطى العليا كانوا يصوّتون سابقاً لـ«حزب المحافظين»، وبعضهم صوّت في الانتخابات العامة السابقة لـ«حزب العمال». بهذا التصويت المتوقع تغير الواقع السياسي البريطاني، وانتقل من نظام الحزبين إلى نظام تعددية الأحزاب في برلمان ليس معداً أصلاً لهذا التحول النوعي، وبهذه السرعة. وإذا ما تكرر هذا السيناريو في الانتخابات البرلمانية القادمة في يوليو (تموز) عام 2029، فإن بريطانيا ستشهد وصول «حزب الإصلاح» للسلطة بزعامة نايجل فراج الذي لعب دوراً كبيراً في إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بحجة استرجاع السيادة، والآن يَعِد الناخبين بطرد اللاجئين، والحفاظ على ثقافة البلاد المسيحية، والابتعاد عن أوروبا.
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يثمر كما روّج نايجل فراج، بل أدى لتراجع نموها الاقتصادي، وتدني فرص العمل، وارتفاع الأسعار، وانكشاف الأمن البريطاني، بعدما خسرت موقعها في الاتحاد الأوروبي وقيمتها للولايات المتحدة الأميركية. ورغم فشل وعود نايجل بنهضة بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، لا يزال الناخبون يرونه بديلاً أفضل، ويتعامون عن سلوكه التحريضي، وعن نيله مبالغ ضخمة من متبرعين، أبرزهم كريستوفر هاربون صاحب شركة «تيثر» المتخصصة في العملات الرقمية. كريستوفر أهدى نايجل خمسة ملايين جنيه مؤخراً، ثم موّل «حزب الإصلاح» بنسبة الثلثين. برّر فراج الهدية بأنها لتغطية حمايته الأمنية، رغم أنها تكلف سنوياً ثلاثمائة ألف جنيه إسترليني فقط. وفي تقرير لصحيفة «التايمز» تبين أن نايجل فراج يريد أن يشرعن قانونياً تداول العملات الرقمية الخاصة بإجبار البنك المركزي على تخزينها كاحتياط نقدي، والتخلي عن إصدار عملته الرقمية الرسمية. بالطبع، إذا ما وصل «حزب الإصلاح» للسلطة، فإن المستفيد الأكبر شركة كريستوفر. نايجل تباهى من سنتين أنه «بلا مال» ليميز نفسه عن غيره من السياسيين، وفي السنة المالية الماضية كسب خارج عمله البرلماني مليونَي جنيه إسترليني.
لم يعد العمل البرلماني تضحية شخصية لأجل الخير العام، بل تحول لمهنة مالية مجزية بسبب العلاقة التبادلية مع رجال المال، ولهذا تنخلع قلوب النواب عند أول هزة انتخابية، ويطالبون بتغيير قائدهم لضمان نجاحهم في الانتخابات القادمة دونما تقييم موضوعي لأدائهم، وسياسات حزبهم، ومفاصل الضعف في النظام الديمقراطي. وما دامت عقلية المهنة البرلمانية متجذرة، فإن الديمقراطية ستبقى مريضة، ولا يمكن إنقاذها إلا بإصلاحات جوهرية، أهمها فصل العلاقة مع رجال المال والأعمال بوقف التبرعات المالية للأحزاب والسياسيين، ثم ضبط الإعلام، وبالتحديد «البودكاست» المموّل من أصحاب المال، والمؤثر انتخابياً، وحظر الكراهية، ومعاقبة الكذب الانتخابي، والحد من الفردية الموغلة، والموازنة بين الفرد والمجتمع... هذه الإصلاحات ضرورية، وتجاهلها مع وصول «حزب الإصلاح» الشعبوي للسلطة سيعمق أزمة الديمقراطية أكثر فأكثر، ومن رَحِمها سيولد الاستبداد.

