إيلاف من القاهرة: يراودنا جميعًا هاجس أفول الصحافة الورقية، وكل يحاول الإمساك بأطراف زمن صاحبة الجلالة، إلا أنَّ المؤرخ والناشر محمد السيف قرر أن يوثق محاولاته ليضمنها متون كتب تثري المكتبة العربية بإصدارات ترصد نجوم الصحافة وأساطينها، وتسرد تاريخ المعارك الثقافية التي أسالت أحبارًا وأفكارًا شكلت تصورات ووعي أجيال من المفكرين والصحفيين في عالمنا العربي.
في كتابه الصادر حديثًا "ضربة مرفق.. مطارحات عنيفة وردود ملتهبة" عن دار جداول في بيروت، يأخذنا السيف إلى عالمه ومكتبته الخاصة وقصاصات الصحف التي احتفظ بها لأكثر من ثلاثة عقود، ويكاشف قارئه بأن الكتاب ليس توثيقًا ولا تتبعًا للمعارك، بل نبع من اهتمامه الشخصي بجمع أرشيف صحفي للمعارك التي أثارت اهتمامه وحفظها بمكتبته في محاولة لحفظ جوانب من التاريخ الثقافي الصحافي، وآثر نشرها في كتاب لتتطلع عليها الأجيال الجديدة، فخرج هذا الجزء الأول معاهدًا القراء بأجزاء أخرى تتضمن فصولًا من أهم المعارك الثقافية الصحافية.
يأخذنا الكتاب في خضم سبع معارك صحافية حارة رتبها المؤلف بعناية وفقًا لأهميتها وضراوتها، وما حوته من معلومات ذات أهمية تاريخية أو جغرافية أو أدبية. وحرص على تنوعها ما بين معارك مفصلية وفكرية جادة، وبين معارك قصيرة وظريفة تنتمي إلى المناوشات الثقافية بين الكُتاب، والتي كان القراء يتلذذون بها ويلوذون بها في مواجهة التحولات القاسية التي مرت بها مجتمعاتنا العربية.

غلاف كتاب ضربة مرفق
ضربة المرفق الأولى هي معركة الرسائل، وهي معركة شهيرة دارت رحاها على صفحات جريدة الرياض بين حمد الجاسر وعبد الكريم الجهيمان حول كتاب الأخير رسائل لها تاريخ، والذي كتب عنه الجاسر ثمان حلقات، ورد عليه الجهيمان بخمسة مقالات، وكان النقد سببًا في إفساد صداقة عمرها 70 عامًا. وهنا يشير السيف إلى أن مبعث النقد الحاد من الجاسر كان بسبب سبق الجهيمان لنشر الفكرة التي راودته، ففوت عليه فرصة نشر ما لديه من رسائل، وهو الذي لديه منها ما يفوق رسائل الجهيمان قيمة وعددًا وأهمية.
أما المعركة الثانية فهي معركة السادات، والتي انقسم فيها المفكرون حول اتفاقية السلام مع إسرائيل، وبدأت المعركة بعد نشر مقال المفكر أحمد محمد جمال في صحيفة الشرق الأوسط عام 1981 بعد وفاة السادات بأيام، ودافع عن هذه الاتفاقية وانتقد اعتراض الساسة العرب والفلسطينيين عليها، ليثير المقال عاصفة من الانتقادات، فنشرت جريدة الجزيرة مقالًا لعبد الله بن خميس ينتقد السادات ويتهمه بأنه غسل يديه من القضية الفلسطينية، وانتقد الداعية الإسلامي أحمد محمد جمال واعتبرها كبوة. وكان مقال غازي القصيبي على صفحات الجزيرة لاذعًا ومفندًا بالتفصيل لكل ما جاء في مقال الداعية جمال، ومعتمدًا على منهج التفكير النقدي وطرح التساؤلات، وجاء رد الأستاذ عثمان العمير على صفحات الجزيرة أيضًا بعد شهر تقريبًا من نشر المقالة الأولى بعنوان مسكين الشرق الأوسط هذا، لكنه تحدث بشكل موضوعي عن مسؤولية كتابة التحليل السياسي والتصدي لمقالات الرأي فيما يخص الشؤون السياسية والإقليمية والقضايا المصيرية التي تمس مستقبل الدول، منتقدًا في المقال نزار قباني وأحمد محمد جمال. واستمرت المعركة لعام 1982، وبدأت بمقال لجاسر الحربش على صفحات الجزيرة منتقدًا بشدة مقالة المفكر الإسلامي، متهمًا إياه بدس السم الزعاف في العسل للقراء. ويعقبه ردًا قويًا من أحمد محمد جمال على صفحات عكاظ، مهاجمًا فيه القصيبي بشدة، وانتقد هجومه على أحمد شوقي وعلى العهد العثماني، معتبرًا أنه يعاني عقدة اتهام بالتخلف للحضارة الإسلامية عبر 14 قرنًا. وأعقبها ردًا قويًا في الجزيرة من القصيبي، واصفًا جمال بأنه الرجل المأساة، وجاء بعدها مقال الشيخ حمد الجاسر محايدًا بعنوان السادات ما له وما عليه على صفحات الشرق الأوسط، ولكنه اعتبر كامب ديفيد غلطة السادات الكبرى.
ثم يأخذنا الكتاب إلى معركة مغايرة، جبال الجزيرة، التي دارت رحاها بين عبد الله بن خميس وعبد العزيز الرويس، والتي انتقد فيها الرويس كتاب بن خميس المعنون معجم جبال الجزيرة، وتناول فيه عدة أخطاء لغوية بالكتاب كانت في الأساس ملاحظات أرسلها له الرويس، لكن الخميس رد عليها علنًا في مقال، ما دفع الرويس للرد بمقالين.
في حقبة التسعينيات، كانت المعركة التي دارت على صفحات جريدة الرياض بين أحمد التويجري ومحمد رضا نصر الله بسبب قصيدة بعنوان دوحة العز، التي ألقاها التويجري في احتفالية مئوية التأسيس ومرور 100 عام على استعادة الملك عبد العزيز لمدينة الرياض، فكتب رضا في جريدة الرياض أن التويجري شاعر مستعار باعتباره سطا على قصيدة على ضفاف الغدير للشاعر العراقي مصطفى جمال الدين، موردًا ما يعزز وجهة نظره، مشيرًا إلى أنه هو الذي أهدى التويجري ديوان الشاعر العراقي ليستمتع به لا ليسطو عليه، فجاء رد التويجري لاذعًا مستنكرًا لادعائه صداقته، وبأنه مارس في نقده التضليل والادعاء، وأن القصيدتين لا يجمع بينهما تناص، مقدمًا أدلته وأبيات القصيدتين، لافتًا إلى أن التشابه وجد في 3 أبيات من مجمل 51 بيتًا تحفل بها القصيدة.
أما المعركة التي دارت بين خالد الدخيل وعبد الله الشهيل الأبوة، فكانت في السبعينيات، حينما نشر الدخيل مقالة يخاطب فيها الشهيل باعتباره الأب ويوجه له نصائح ساخرة وباطنها نقدًا يتهمه فيها بأنه يعاني من حالات وهم حادة، على عدم منح جامعة الرياض له تقديرًا يليق بحجم وهمه. وكان رد الشهيل بأن المربي بالجامعة لا يجب أن يتسم بالغرور والتكبر وهو في بداية الطريق.
وجاءت المعركة السادسة في هذا الكتاب بعنوان زكي يماني بين عبد الله جفري وعابد خزندار، وكان سببها جريدة عكاظ لأنها أجرت حوارًا مطولًا مع يماني تحدث فيه عن ذكرياته وقصة إنشاء كلية البترول وما تعرض له من محاولات لإجهاض المشروع، وجاءت مقالة خزندار تنتقد نسب يماني إنجازات صالح أمبه لنفسه، وقد أغضبت المقالة كثيرين، وكتب جفري مقالًا يدافع به عنه يماني بعنوان ما الوطنية؟.
ويختتم الكتاب بمعركة بين حسن الترابي وعبد الله باجبير وزياد الدريس، والتي اشتعلت عقب نشر باجبير مقالة الشرق الأوسط عارضًا فيها مقولة تنسب إلى حسن الترابي، معتبرًا أنه يمثل خطرًا ويجب الانتباه لمؤامراته. يلفت المؤلف هنا إلى أن هذه المعركة دارت في فترة حرجة هي حرب الخليج، وهي مقالة أغضبت الإسلاميين، فتصدى لها الدريس بمقال في اليمامة بعنوان الإسلاميون ومنشية التسعينيات، واصفًا الإعلام العربي بممارسة الاستعداء تجاه الإسلاميين منذ بدء حرب الخليج. وعلى غير المعتاد، لم يرد باجبير في حينها، ولكنه انتظر 10 سنوات وكتب مقالًا بعنوان الترابي ومن لف لفه! معلقًا على نصيحة الدريس باختيار الزمن الذي يجب أن يندم فيه، مشيرًا إلى أنه مضت 10 سنوات ولم يأته زمن الندم الذي وعده به الدريس.
أخذتنا هذه المعارك لحقب زمنية مختلفة، كاشفة لما كان يعتري الوسط الثقافي السعودي من معارك وتيارات فكرية ومعارك ثقافية وأدبية وسياسية. هذه المعارك حقًا تفتح الشهية لاستكشاف المزيد منها، خاصة مع ندرة هذه النوعية من الكتب التي تستخلص درر الأرشيف الصحافي في المملكة العربية السعودية، لذا نتشوق كثيرًا إلى الأجزاء التالية.


