: آخر تحديث
رؤية معاصرة تعكس تلاقي الذاكرة بالراهن والهوية بالتعبير الإبداعي

معرض للمغربي عبد الإله الناصف عن "حيوية إفريقيا وصلابة تراثها الثقافي"

4
5
4

إيلاف من الرباط: تحت عنوان "حيوية إفريقيا وصلابة تراثها الثقافي"، احتضن رواق باب الرواح الوطني بالرباط، أخيرا، معرضا تشكيليا جديدا للفنان المغربي عبد الإله الناصف، المقيم في نيويورك ،وذلك تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل (قطاع الثقافة).

جاء معرض الناصف، من خلال مجموعة إبداعية راهنة، ليقدم رؤية فنية معاصرة مستلهمة من عمق القارة الإفريقية وغنى تراثها الثقافي، تستند فيها الأعمال المعروضة إلى أشكال ديناميكية، وألوان نابضة وعناصر رمزية تعكس إفريقيا، ليس باعتبارها ماضيًا جامدًا، فقط، بل فضاءً ثقافيًا حيًا ومتجددًا.


جانب من المعرض

بناء جسور
ارتكز مفهوم المعرض على فكرة الحوار — بين الذاكرة والحاضر، وبين الهوية والتعبير الإبداعي. ومن خلال هذا المنظور، سعت أعمال الناصف إلى بناء جسور بين الرموز الثقافية الموروثة واللغة البصرية الحديثة، مبرزةً الاستمرارية بدل القطيعة.
ويشكل التعبير الرمزي عنصرًا جوهريًا في تجربة الناصف، الذي تُوصف أعماله بأنها احتفالية، تنهل من التراث الإفريقي عبر صور متعددة الطبقات تستحضر العمارة، والنسيج، والذاكرة الجماعية؛ إذ من خلال المزج بين التجريد والإشارات الثقافية القابلة للتعرف، يضع الفنان أعماله ضمن نقاش أوسع حول كيفية تمثيل الهويات الإفريقية وإعادة تأويلها في الفن المعاصر؛لتتمخض هذه المقاربة عن رؤية تُعلي من قيمة الصمود الثقافي، وترفع من قيمة الأشكال الثقافية القادرة على التكيّف والاستمرار والحفاظ على معناها عبر الأجيال.

54 قطعة
كتب محمد خصيف، الناقد والفنان التشكيلي وأستاذ الفنون التشكيلية وتاريخ الفن، في مقدمة كاتالوغ المعرض، تحت عنوان "الفنون.. أفريقيا كبنية متعددة"، إن الناصف يطرح في معرضه "مشروعاً مفاهيمياً دقيقاً، يقدم من خلاله مقاربة نقدية لتمثيل القارة الأفريقية؛ بعيداً عن الصور النمطية أو الاختزال الرمزي"، بحيث "لا تظهر أفريقيا ككيان متجانس، بل كبنية مركّبة وفضاء متعدد الأوجه من التواريخ والأصوات المتقاطعة، حيث تحتفظ المسارات الثقافية بخصوصيتها ضمن إطار من الترابط العام".
يشير خصيف إلى أن المعرض يتألف من 54 قطعة فنية مستقلة، تمثل كل منها دولة أفريقية، في "تشكيل يرفض التنميط ويؤكد على التلاحم البنيوي بين الأجزاء"؛ غير أن هذا التقسيم، يضيف خصيف، "لا يُقصد به تثبيت الحدود السياسية بقدر ما يُستعمل كبنية تنظيمية تسمح بقراءة القارة كفضاء مفتوح، يتشكّل عبر التفاعل بين أجزائه". وبالنسبة لخصيف، فما يتشكّل أمامنا ليس مجرد خريطة أو نصباً تذكارياً، بل هو "أرشيف حيّ وفسيفساء مفتوحة، لا تكتمل دلالاتها إلا بانخراط المشاهد ومشاركته الفعلية".


جانب من أعمال الناصف


سرديات مكثفة
يرى خصيف أن مشروع الناصف ينبع من "اشتغالٍ عميق على آليات الإدراك وأخلاقيات الانتباه، حيث لا يُوظف الفنان تقنية رمز الاستجابة السريعة كعنصر تقني مضاف، بل يجعلها البنية الهيكلية والجمالية التي تتجسد فيها الأعمال". فـ"هنا، لا تُحيل القطع الفنية إلى الرمز، بل تتماهى معه ليصبح التفاعل عبر الهاتف المحمول امتداداً طبيعياً للتجربة البصرية، ونقلاً للمتلقي من موقع "التأمل السلبي" إلى "فعل المشاركة" الواعي".
ومن خلال فعل المسح، الذي يتحول إلى لفتة جمالية ومعرفية، لا يكتشف المشاهد محتوىً إضافياً فحسب، بل ينفتح، بحسب خصيف، على "طبقات غير مرئية كامنة في جوهر العمل"، بحيث"تتفعل كل قطعة لتكشف عن لمحات موجزة من تاريخ الدول، مصحوبة بأصوات أناشيدها الوطنية؛ بما تحمله من سرديات مكثفة عن النضال والسيادة والانتماء"؛ إذ تتلاشى في هذه التجربة تتلاشى التراتبية بين التجريد البصري، والمعرفة التاريخية، والبعد السمعي، لتتشكل "تجربة متعددة الأبعاد تتعايش فيها الصورة والمعلومة والعاطفة في آنٍ واحد".

سياق تنظيم المعرض
بالنسبة لخصيف، فمعرض "حيوية إفريقيا وصلابة تراثها الثقافي" يأتي في امتداد لمسار اشتغال الفنان. ولتوضيح وجهة نظره، يشير إلى أنه كان شاهد عيان للناصف حين "وظّف رموز الاستجابة السريعة في أعمال سابقة كأداة للكشف عن خبايا العمل الفني وفتح مسارات قراءة غير مباشرة".
وتطرق خصيف إلى توقيت تنظيم المعرض، مشيرا إلى أن سياق عرض المشروع في المغرب يكتسب دلالة خاصة، لا سيما مع تزامنه مع استضافة كأس الأمم الأفريقية. وبالنسبة لخصيف، فكما تتيح الرياضة اجتماع الدول دون محو هوياتها، يقترح المعرض فضاءً للتقارب والتجاور، يحتفي بالتعدد ويؤكد إمكان اللقاء دون ذوبان أو تنافس رمزي مباشر.

إنصات وانتباه ومشاركة
يرى خصيف أن مشروع الناصف يتموضع ضمن أفق ممارسات ما بعد الفن المفاهيمي، حيث يعيد مساءلة أنماط التمثيل والمعرفة عوضاً عن السعي لإنتاج صور نمطية للعالم. ومن خلال تفعيل دور المتلقي كعنصرٍ محوري في اكتمال العمل، يفتح المشروع حواراً نقدياً مع حساسيات ما بعد الاستعمار وممارسات نقد الخريطة والأرشيف، مفككاً التمثيلات الشمولية لصالح شبكات من السرديات المتجاورة، ومبقياً التاريخ في حالة انفتاح دائم وقابلية للتفعيل، مع وضع مسؤولية استنطاقه على عاتق المشاهد بوصفه فاعلاً في الحاضر. وهنا، يضيف خصيف، يتشابك الرقمي بالتاريخي والصوتي، ليتحول "المسح" من مجرد إجراء تقني إلى وسيلة لتفعيل الذاكرة؛ حيث لا يُقدَّم المعرض بوصفه تجربة جمالية محضة، بل كاقتراح فكري يسائل إمكانية التفاعل مع قارة بأكملها عبر الوسائط الرقمية، ومدى قدرة هذه الوسائط على تعميق الفهم الثقافي بدل اختزاله.
في محصلته، لا يسعى المعرض إلى تقديم صورة نهائية عن أفريقيا، بل إلى "اقتراح طريقة للتعامل معها، تقوم على الإنصات والانتباه والمشاركة". وبهذا، يتحول التلقي من فعل مشاهدة إلى ممارسة واعية، ويغدو المعرض تجربة فكرية بقدر ما هو تجربة جمالية.

الناصف وبيانه الفني
في بيان فني نشره على موقعه، يشير الناصف إلى أن عمله يعيش في "تقاطع الذاكرة والخيال، التراث والقطيعة". ويضيف: "أنا لا أخلق فقط بالمواد، بل بالأسئلة - أسئلة تنبع من تراب تطوان، ومن نبض الحِرف المتوارثة، ومن التوتر الحي بين التقديس وإعادة الابتكار. الحِرفة بالنسبة لي ليست مجرد تقنية أو مهارة، بل لغة من الحكمة - لغة صلبة، صبورة، ومتوازنة. تحمل في جوهرها قوة شعب عرف كيف يصنع الجمال من الحاجة والروح. عملي يكرّم هذه الحكمة المقدسة ليس بتكرار الأشكال التقليدية، بل بالإنصات إلى بنيتها الداخلية وإعادة تخيّلها كأوعية للفكر المعاصر".
ويقول الناصف إن رحلته، من أيامه الأولى في مدرسة الفنون والصنائع ومدرسة الفنون الجميلة بتطوان، مروراً بسنواته في باريس، ووصولاً إلى حصوله على درجتين ماجستير في الفنون الجميلة في نيويورك، كانت "نسجاً بين التخصصات والجغرافيات والفلسفات"؛ لذلك، لا يرى الحِرفة كحالة من الحنين أو الجمود، بل كنظام حي للمعرفة - ممارسة تنطق بالأخلاق والدقة والتفاني والهوية. ويضيف: "منشآتي وأعمالي التصويرية والمفاهيمية تستلهم القاموس البصري للتراث الحرفي المغربي: الهندسة، التناظر، الضوء، والتكرار. لكنها ليست اختيارات زخرفية، بل أفعال تأملية. كل إيقاع وكل خط هو دعوة للتوقف والتأمل والتذكر. أعمل بمواد معاصرة، لكن بروح أسلافية. حتى وأنا أُشكّل شيئاً جديداً، تبقى روحي في حوار مع القديم. في كثير من الجوانب، ممارستي هي شكل من التمرد - في وجه قوى النسيان الثقافي والاستعمار الفكري. من خلال إدخال المعرفة التقليدية في حوار مع الحاضر، أقاوم تهميشها. فالحِرفة، بهذا المعنى، ليست أثراً ماضوياً بل عدسة فلسفية وطريقة للوجود. لستُ مع الفن الذي يظل فردياً صرفاً. أنا مع الفن الجماعي، المتجذر، والمتسامي - فن يتحدى الهياكل الأوروبية المهيمنة، ويبني جسوراً بين الأجيال، وبين التخصصات، وبين الرؤى. ما أقدمه ليس عودة إلى الماضي، بل إعادة تفعيل لإمكاناته. الحِرفة ليست خلفية، بل هي بوصلتي. علاقتي بها روحية وفكرية معاً. لا أدّعي امتلاكها أو السيطرة عليها، بل أصغي إليها وأتعلم منها. ومن خلال هذا الحوار، أسعى لأن أصنع أعمالاً لا تُرى فقط، بل تُحَس—أعمالاً تفتح مجالاً للبطء، للنزاهة، وللدهشة".
يشير الناصف، إلى أن رحلته، بعد أربعة عقود من المعارض والمحاضرات والتعاون الثقافي في المغرب وأميركا الشمالية وأوروبا، قد حملته أيضاً إلى قاعات الدرس كأستاذ جامعي، وإلى مواقع القيادة كمدير للخدمات الثقافية والتعليمية، الشيء الذي عمّق قناعته بأن "الإبداع لا يعيش فقط في المرسم والمعرض، بل أيضاً في الفصل، والمجتمع، والمؤسسة".
ومع كل ذلك، يخلص الناصف، إلى القول بأنه يبقى - قبل كل شيء – "تلميذاً في مدرسة الحِرفة، باحثاً عن المعنى، وخادماً للجمال المصوغ بالفكر".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات