الكلاسيكيات ليست كتبًا فحسب، بل أشباحٌ ثقافية: أسماءٌ تتردّد على الألسن أكثر مما تُلامَس بالقراءة. الجميع يعرفها، لكن قلّة فقط من أقاموا معها علاقة حقيقية. القارئ المعاصر، في أكثر صوره اجتهادًا، يعيش في حاضرٍ دائم، منجرفًا مع تيارات الشبكات الاجتماعية وإيقاع صناعة ثقافية تُنتج الكتب كما تُنتج السلع: سريعة، لامعة، وقابلة للاستهلاك الفوري. نقرأ لنواكب، لنلحق، لنكون جزءًا من اللحظة، لأن القارئ "الجيد" لا ينبغي أن يفوّت أحدث الفائزين بالجوائز الأدبية الإقليمية والدولية.
لكن، متى نقرأ لنتأمل؟ متى نقرأ لنأخذ تلك الخطوة إلى الوراء التي تمنحنا منظورًا؟ في هذا المشهد، تبدو الكلاسيكيات ككائناتٍ غريبة: بطيئة إلى حد الإزعاج، متطلبة إلى حد الإقصاء، لا تمنح قارئها إجاباتٍ جاهزة، ولا تعده بنهاياتٍ مريحة. ولهذا تحديدًا، تُؤجَّل أو تُهمَل. وتُترك مهمّة بقائها لمؤسساتٍ تعليمية تعاني بدورها من أزمة معنى وهوية.
ومع ذلك، فإن جوهر الكلاسيكيات ليس الجمود، بل التحوّل. لم تصبح الإلياذة والأوديسة نصوصًا خالدة لأنها محفوظة في متحف الزمن، بل لأنها التهمت ما سبقها وأعادت تشكيله، حتى غدت لغة البطولة نفسها. وكذلك رواية رحلة إلى نهاية الليل لم تكن مجرد سردٍ لليأس، بل كانت اختراعًا لصوتٍ جديد، لغةً حسية تمحو أي خطابٍ تقليدي عن الحرب. إنها كلاسيكية لأنها جرحٌ لم يلتئم، لأنها مزجت الكوميديا بالمأساة، وكسرت البنية المعجمية السائدة.
لكن السؤال المؤلم يظل قائمًا: من لا يزال مستعدًا لخوض تجربة أدبية وجودية كهذه؟ لم يعد السؤال: أيّ الكلاسيكيات ستبقى؟ بل: أيّها نملك الشجاعة لإنقاذها؟
بعد خمسين عامًا، قد لا تختفي هذه الأعمال لندرة نسخها، بل لندرة قرّائها. ستظل موجودة، لكنها غارقة، كحطامٍ نفيس، في محيطٍ من المعلومات السطحية، حيث يُحتفى بالنصوص المعاصرة لا لعمقها، بل لحداثتها وسهولة استهلاكها. في سياقٍ كهذا، يكفي أن نعلم، وفق بيانات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء لعام 2023، أن 39.3 بالمئة فقط من السكان يقرؤون كتابًا واحدًا سنويًا، وأن 6.4 بالمئة فقط يُعدّون قرّاءً كثيفين، لندرك أن مصير الكلاسيكيات ليس مسألة ذوق، بل مسألة بقاء.
فما الذي يستحق أن يُنقذ؟ ما هي جزر المقاومة في هذا الطوفان؟ ربما نجدها في أعمالٍ مثل في البحث عن الزمن الضائع، ذلك العمل الذي يعلّمنا، في زمن التشتت، كيف نستعيد الزمن لا كذاكرة، بل كهوية.
أو في الرجل بلا صفات، حيث يتحول العجز عن الفعل إلى مرآةٍ لتعقيد العالم. أو في الجبل السحري، حيث تصبح المصحّة استعارةً لأوروبا المريضة، المعلّقة بين الزمن والتاريخ.
أو في مئة عام من العزلة، التي نسجت الأسطورة بالتاريخ لتروي ليس قصة بلد، بل قصة الإنسان.
أو حتى في خفة الكائن التي لا تحتمل، التي تقدّم خريطةً دقيقة لتصدّعات الحرية بين السياسة والعاطفة.
فماذا سنقرأ بعد خمسين عامًا؟ ربما الإجابة الأكثر قسوة هي أننا سنقرأ أقل، لا أكثر. سنقرأ نصوصًا مصممة لشاشاتنا، تُستهلك بسرعة وتُنسى بسرعة، نصوصًا لا تولد من حاجةٍ إلى القول، بل من خوارزميات تعرف مسبقًا ما نرغب في سماعه.
لكن هناك احتمالٌ آخر أكثر هشاشة، وأكثر إنسانية: أن نقرأ ما قررنا اليوم ألا نتركه يموت.
فإذا واصلنا الاعتقاد بأن بروست أطول مما ينبغي، وموسيل أعقد مما يُحتمل، ومان أبطأ مما يناسب إيقاعنا، فلن تختفِ أعمالهم، بل ستُنفى إلى أرشيفاتٍ رقمية باردة، لا يزورها إلا القليل.
بعد خمسين عامًا، لن نقرأ ما كُتب، بل ما نجا. وما سينجو، ليس الأفضل بالضرورة، بل ما امتلكنا الشجاعة لنتمسّك به.
إن المعركة الحقيقية ليست بين كتبٍ وكتب، بل بين عمقٍ وسطحيةٍ، بين ذاكرةٍ ونسيان، بين قراءةٍ كرحلة وقراءةٍ كاستهلاك.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: ماذا سنقرأ؟ بل: من سنكون حين نقرأ؟


