مَثّلَت السِمفونية الأولى للموسيقار الفنلندي سيبليوس نقطة تَحَوّل في مَسيرَته الموسيقية، وجائَت بَعد سلسلة أعمال يَكشف تطَوّر بنائها النَغَمي عَن ثِقة عالية في التَعامل مَع الأوركسترا، لتَحسُم صِراعاً عاشَه الموسيقار لصالح موسيقاه المُجَرّدة، فقد رَفض التفسيرات البَرامِجيّة لأعماله قائِلاً: "سِمفونياتي بلا خلفية أدَبيّة. بالنِسبة لي تبدأ الموسيقى حَيث تنتَهي الكلمة".
السِمفونية الأولى للكثير مِن الموسيقيين مُمَيّزة، لكنّها ليسَت بالضَرورة الأجمَل، رَغم أني أراها كذلك في حالة سيبليوس، الى جانب الثانية، دون أن يُقلل ذلك مِن جَماليّة باقي سِمفونياته. مثلاً سِمفونية برامز الأولى ببدايَتها الدرامية، وسِمفونية رخمانينوف الأولى ببدايتها المُبهِرة، وسِمفونية مَندلسون الأولى ببدايتها المُندفِعة، وأخيراً وليس آخراً سِمفونية شومان الأولى ببدايتها الثائِرة، لِتنضَم إليهم رائِعته الأولى ببدايتها المُتفرِّدة التي بَدَأ بها إسلوباً جَديداً في التأليف السِمفوني يَختلف عَن أسلوب القرن التاسع عشر، دون أن ينسَلِخ عَنه روحياً لأنه لم يَكن مًتَطَرّفاً في أفكاره وتقنيّاته. فرَغم أنه كان مَحسوباً على المَدارس الحَديثة، إلا أنه كان أقرَب الى الأشكال الكلاسيكية للموسيقى، بدَليل قيامه بتأليف قِطع لموسيقى الحُجرة وسوناتات ورُباعيات، خلال سَنوات دِراسته، لم تُظهِر تأثّراً بالمَدرسة الحَديثة.
أنهى سيبليوس سِمفونيته الأولى عام1899 في مَدينة كيرافا شمال هلسنكي، والتي لجَأ إليها هَرَباً مِن ضَوضاء العاصِمة، وفي أبريل1899 قاد العَزف الأول لها في هلسنكي، وحَظِيت بإستِقبال حار. رَسَمَت السِمفونية مَلامح شَخصِيّته الموسيقية وأسُسِها التي يُمكن مُلاحظتها في سِمفونياته اللاحِقة، التي تَتَعارَض مَع روح عَصره، حَتى يُقال أن حِواراً دارَ حَولها بَينه وبَين الموسيقار مالر، طالبَه فيه أن تكون السِمفونيّة مِن عالمِها، بمَعنى أن تُماشي رَكب التحديث. تُعتبَر السِمفونية مُتَقَدِّمة على مؤلفاته السابقة في بِنائِها الموسيقي، كما تُظهِر تعامُله الفِعلي مَع شَكل السوناتا في أوّل عَمل سِمفوني له.
تتكون السِمفونية مِن أربَع حَرَكات. الأولى تبدأ بَطيئة ثم تَتَسارُع بَتناغُم ساحِر، يُشارك الكلارنيت الطُبول بإفتِتاح العَمل، ثم تدخل الوَتَريات، ويَتَصاعد اللحن سَريعاً إلى ذَروة، يَليها هُدوء، يَتخلله لحن شَبيه بزَقزقة العَصافير تَعزفه الهَوائيات تُرافِقها ضَرَبات الوَتَريات، يَقودنا الى ذَروة أخرى، وهكذا يأخذنا سيبليوس مِن ذروة الى أخرى، يُتحِفنا فيما بَينها بألحان ساحِرة، تنتَهي الحَركة بذَروة تتصَدّرها الهوائيات على قَرع الطبول بمُرافقة الوَتَريات التي تأخُذنا الى نِهاية الحَركة على وقع ضَرَبات أوتارها. الحركة الثانية بَطيئة مَليئة بالإحساس، وبأنغام تُشبِه الأغاني الشَعبية، يُعالجها بطريقة فريدة، مَع المُحافَظة على نَزعَتها السكُندَنافية الحَزينة التي تُعَد السِمة المُمَيزة لموسيقاه. الحَرَكة الثالثة شيرزو راقِصة صاخِبة بَعض الشَيء، تندَفِع بسُرعة ثم تَتَباطأ وتَخُف، ليَعود الشيرزو بإيقاعِه السَريع حَتى تَضَع الهَوائيات والنحاسِيّات نهاية مُفاجِئة لموسيقاه المُتسارعة. الحَركة الرابعة والأخيرة أشبَه بالفانتازيا، فالتَغييرات المُتكررة بالإيقاع تَمنحُها جَوّاً مِن الخَيال، كما تَجمَع مَقاطِع مِن حَرَكات السِمفونية، وتربُطَها بلحن جَميل. إذ تَبدأ بلحن الكلارنيت البَطيء مِن بداية السِمفونية، لكن بأداء دِرامي للوَتَريات بمُرافقة النُحاسيات، يَتَوارى بَعدَها لأنه لا يَتَعَلق بالتطور النَغَمي للحَرَكة، بل بالرَبط بين بداية السِمفونية ونهاياتها. تتمَيّز الحَركة بصِراع نَغَمي يَتَناوب فيه لحنان أساسِيّان، أحَدَهُما سَريع ونَشِط، والثاني غِنائي مُقتبس مِن اللحن الأساسي للحَرَكة الثانية، يَتَطَوّر إلى ذَروة دِرامية تتباطَأ لتَصِل بالحَرَكة الى نهايَتها بطَريقة مُشابهة لنِهاية الحَرَكة الأولى.
في الكثير مِن مَقاطع السِمفونية الأولى لسيبليوس، نَلمَس أمثِلة تُظهِر تأثّره ببتهوفن في البناء الموسيقي، وتشايكوفسكي في إقتباس روح الألحان الشعبيّة وطَريقة توظيفه للأوركسترا. لذا رَغم إستِقلالية العَمَل لُغةً موسيقيةً وشَكلاً نَغَمياً، لكن يُمكن مُلاحَظة تأثير تشايكوفسكي تَحديداً في لحن الحَرَكة الثانية، أو نِهاية السِمفونية التي تنتَهي بضَربات أوتار التشيلو مَثلاً، على غِرار سِمفونية تشايكوفسكي السادِسة، وهو أمر لم يَكُن مُعتاداً في ذلك الوَقت.


