: آخر تحديث
إصدارات

"أوراقٌ تقودها الرّيح".. ندوة يونس تواصل إنصاتها الشعري الهادئ

4
4
5

إيلاف من دمشقعن دار الزمان في دمشق، صدرت حديثًا المجموعة الشعرية الثانية للشاعرة السورية ندوة يونس بعنوان "أوراقٌ تقودها الرّيح"، في كتاب يقع في نحو 128 صفحة من القطع المتوسط، تتقدمه لوحة على الغلاف للفنانة التشكيلية الدكتورة سمر دريعي، وصممه الفنان جمال الأبطح. ويأتي هذا الإصدار بعد مجموعتها الأولى "النبض المرهق" الصادرة سنة 2021، ليؤكد مسارًا شعريًا يتقدم بتؤدة، ويعلي من قيمة النوع على حساب وفرة النشر.

يشي هذا الإصدار، منذ عتبته الأولى، بأننا أمام شاعرة لا تنشغل بتكثير حضورها بقدر ما تنشغل بترسيخ نبرتها الخاصة. فندوة يونس تنتمي إلى ذلك النوع من الأصوات التي تفضّل العمل في عمق اللغة، بعيدًا من ضجيج المشهد، وتراهن على القصيدة بوصفها بناءً داخليًا متماسكًا، لا ومضة عابرة ولا استجابة سريعة لإيقاع الاستهلاك الثقافي.

وقد كتب الناقد صبري رسول مقدمة المجموعة تحت عنوان "مغامرة القراءة والتأويل في أوراقٌ تقودها الرّيح"، متوقفًا عند طبيعة هذا الصوت الشعري الذي يخرج من أسر الصيغ المألوفة، ويكسر رتابة الأساليب المستهلكة، في لحظة يزدحم فيها المشهد بكثير من التكرار والعجلة والبحث السهل عن الأضواء. وفي قراءته، يبرز هذا الإصدار بوصفه محاولة جادة للبحث عن ملامح مختلفة، تُصاغ بصمت، وتستند إلى وعي شعري لا يساوم على فرادته.

اللافت في بناء المجموعة أن قصائدها توزعت على ثماني بوابات معنونة، تبدو كأنها محطات في تجربة واحدة تتعدد وجوهها وتبقى مشدودة إلى أفق داخلي جامع. وفي كل بوابة ثلاث أو أربع قصائد تتجاور ضمن فضائها الدلالي، بما يمنح الكتاب وحدة خفية، ويجعل ترتيب النصوص جزءًا من المعنى، لا مجرد تنظيم شكلي للمحتوى.


غلاف الكتاب

ما يلفت في هذه القصائد أيضًا أنها لا تستسهل لغتها، ولا تركن إلى التعبير الجاري والمستهلك، بل تنأى بنفسها عن المفردة اليومية المبتذلة، وتبني أثرها عبر اقتصاد لغوي محسوب، وصور تتولد من الانزياح، ومن حسن توظيف الاستعارة، ومن القدرة على تحميل العبارة أكثر من طبقة دلالية. ولهذا تبدو نصوص المجموعة مفتوحة على قراءة متأنية، بل على قراءات نقدية أعمق، تكشف ما يستتر فيها من جماليات المعنى، ومن طاقة الصورة، ومن التوتر الخلاق بين العبارة وما توحي به.

ولا تذهب ندوة يونس في نصوصها إلى الغموض المصطنع الذي كثيرًا ما يُتخذ قناعًا للحداثة، بل تختار طريقًا أكثر صعوبة وأناقة: لغة شفافة في ظاهرها، كثيفة في باطنها، تستدرج القارئ إلى المعنى من دون أن تسلمه مفاتيحه دفعة واحدة. ومن هنا تتشكل فرادة "أوراقٌ تقودها الرّيح" بوصفها مجموعة تنحاز إلى الشعر حين يكون اكتشافًا، وإلى اللغة حين تصبح مجالاً للرؤية لا مجرد أداة للقول.

بهذا الإصدار، تواصل ندوة يونس كتابة قصيدتها على مهل، بثقة الشاعر الذي يعرف أن القيمة لا تُقاس بعدد الكتب، بل بما تتركه القصيدة من أثر في الوجدان، وما تفتحه من نوافذ جديدة في اللغة والرؤية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات