يَا هَذِهِ الصَّغِيرَةْ
يَا بَلْسَمَ الرُّوحِ وَيَا كُلَّ المُنَى
يَا مُهْجَةَ القَلْبِ الشَّقِيِّ المُبْتَلَى
يَا فِتْنَتِي المُثِيرَةْ
وَدِدْتُ أَنْ أَكْتُبَ شِعْرًا مُرْهِفًا
عَنْ سِحْرِ عَيْنَيْكِ الَّذِي أَرَّقَنِي
عَنْ شَفَتَيْكِ حِينَمَا تَأْسِرُنِي
عَنِ الغَرَامِ فِي لَظَى الظَّهِيرَةْ
لَكِنَّنِي مِنْ هَوْلِ زَيْفٍ أَحْتَرِزْ
تَخَافُ نَفْسِي أَنْ يُقَالَ شَاعِرٌ
يَصُوغُ أَلْفَاظًا لَهَا مَقَاصِدٌ ضَرِيرَةْ
وَكَيْفَ لا وَالشِّعْرُ أَضْحَى مِثْلَ مَنْ
يَمُدُّ كَفًّا طَالِبًا دَرَاهِمًا
كَيْ يَشْرَبَ الخَمْرَ عَلَى أَرْصِفَةٍ حَقِيرَةْ
يَا هَذِهِ الصَّغِيرَةْ
لَا تَطْلُبِي شِعْرًا فَقَدْ مَاتَ الرَّجَا
وَصَارَتِ الأَوْرَاقُ سُوقًا لِلْخَنَا
وَلَمْ تَعُدْ مَشَاعِرِي غَزِيرَةْ
تَكَسَّرَتْ عُرُوقُ نَبْضِي بُعْثِرَتْ قَصَائِدِي
لَمَّا رَأَيْتُ الحَرْفَ يَمْشِي خَاضِعًا
يَحْبُو وَيَبْكِي خَيْبَةً مَرِيرَةْ
وَصُودِرَتْ مِنْ جَفْنِهِ المَدَامِعْ
وَوُجِّهَتْ لِثَغْرِهِ المَدَافِعْ
وَنُصِّبَتْ مَشَانِقُ لِأَعْيُنٍ بَصِيرَةْ
وَقُطِعَ اللِّسَانُ مِنْ أَوْدَاجِهِ
وَاخْتُطِفَتْ قَصَائِدِي قَهْرًا لِكَيْ
تُسَاقَ كَالْأَنْعَامِ فِي جَوْفِ الدُّجَى
مَسْلُوبَةً مَجْرُوحَةً كَسِيرَةْ
الشِّعْرُ يَا صَغِيرَةْ
يَبْكِي عَلَى أَطْلَالِهِ الكَسِيرَةْ
مُصَادَرٌ وَمُسْتَبَاحٌ دَمُهُ
تَزْنِي بِهِ الأَطْمَاعُ فِي السَّرِيرَةْ
قَدْ صَيَّرُوهُ طَبْلَةً لِفَاجِرٍ
أَوْ سَوْطَ جَلَّادٍ بِكَفِّ جَائِرٍ
يُبَاعُ فِي أَسْوَاقِ مَنْ
قَدْ أَعْدَمُوا ضَمِيرَهْ
فَالشِّعْرُ فِي عَهْدِ الطُّغَاةِ كِذْبَةٌ كَبِيرَةْ
إِذْ صَارَ يَسْتَجْدِي رِضَا
تَيْسٍ حَقِيرٍ ظَالِمٍ وَمُسْتَبِدْ
سَمَّوْهُ ظُلْمًا "قَائِدَ المَسِيرَةْ"
إِنْ شِئْتِ سَمِّيهِ بَغَاءً أَوْ ثُغَاءْ
سَمِّيهِ مَا شِئْتِ فَمَا هَذَا سِوَى ابْتِلَاء
وَهْوَ عَلَامَاتٌ لِبَدْءِ بِدْعَةٍ خَطِيرَةْ
فَبِدْعَةُ الطُّغْيَانِ يَا صَغِيرَةْ
تَبْدَأُ حِينَ تَنْحَنِي هَامَاتُنَا
لِحَاكِمٍ مُسْتَكْبِرٍ مُسْتَهْتِرِ
قَدْ صَدَّعُوا رُؤُوسَنَا فِي مَدْحِهِ
وَهْوَ الَّذِي فِي السُّوقِ لَا يُسَاوِي
نِصْفَ لِيرَةْ
فَنَعْبُدُ السَّوْطَ الَّذِي يَجْلِدُنَا
وَيَسْتَسِيغُ الظُّلْمُ طَعْمَ ذُلِّنَا
وَكُلُّ مَنْ يَكْتُبُ حَرْفًا صَادِقًا
يُسَاقُ نَحْوَ حُفْرَةٍ أَخِيرَةْ
وَالشَّعْبُ كُلُّ الشَّعْبِ أَضْحَى
مُسْتَبَاحًا خَاضِعًا
مُسْتَسْلِمًا وَخَانِعًا
وَاعْتَادَ أَنْ يَعِيشَ فِي حَظِيرَةْ
وَتِلْكَ عِلَّةُ الوَرَى
مُذْ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ هَذَا الثَّرَى
ثُمَّ ارْتَضَى
بِأَنْ يَعِيشَ ذِلَّةً مَهَانَةً
فِي حَقْبَةٍ مَرِيرَةْ
فَمَا لِشِعْرِي وَالغَرَامِ وَالهَوَى
وَأُمَّةٌ تَقُودُهَا غِلْمَانُهَا
فِي زَمَنِ الحَظِيرَةْ


