: آخر تحديث

هل للموت صوت؟

2
1
1

لا أعرف لماذا نُصرّ على تخيّل الموت صامتًا، أخرسَ لا ينطق!

ربما لأن أحدًا لم يعد من الجهة الأخرى ليصف لنا لحظة العبور، وربما لأن كل ما نعرفه عن الموت تعلمناه من الأحياء، بينما صاحب التجربة الوحيد الذي لا يمكنه روايتها!

لكنني أتساءل أحيانًا: هل للموت صوت، أم أن الصمت هو صوته؟

ربما لا يأتي الموت مصحوبًا بذلك الضجيج الذي صنعته مخيلتنا، وربما يكون صوته الحقيقي هو الفراغ المفاجئ الذي يحدث عندما يغيب شخص كان يملأ مساحة من العالم: كرسي لا يتحرك، هاتف لن يرن، باب لن يُفتح بالطريقة ذاتها، واسم يبقى في قائمة الأسماء بالرغم من أن صاحبه لن يجيب!

عندها نكتشف أن للصمت ضجيجًا، وأن بعض الغياب أعلى صوتًا من الحضور، لكن السؤال الذي يلاحقني أكثر: هل للموت رائحة؟

لا أتحدث عن الجسد ولا عن تفسير الطب لما يحدث له، بل عن تلك الرائحة الغامضة التي يتركها الإنسان خلفه. رائحة قميص لم يُغسل بعد، عطر بقي نصفه في زجاجة، غرفة مغلقة، سيارة لم يعد صاحبها يقودها، وسادة ما زالت تحتفظ بشيء منه.

هل هذه رائحة الموت، أم رائحة الحياة بعدما غادرها صاحبها؟

ربما ليست للموت رائحة أصلًا، وربما الذاكرة هي التي تمنح الغياب رائحته. فالروائح تمتلك قدرة عجيبة على فتح أبواب أغلقتها السنوات. قد تمر في شارع فتشم عطرًا قديمًا، وفجأة يعود شخص مات منذ عشرين عامًا حيًا لثوانٍ كاملة. لا تستحضره كفكرة، بل تشعر أنه مر بجانبك للتو.

وهنا تصبح الرائحة أقوى من الصورة، فالصورة تذكّرك بمن رحل، أما الرائحة فقد تجعلك، للحظة، تنسى أنه رحل.

ثم لماذا منحنا الموت لونًا؟

بعض الثقافات ألبسته الأسود، وأخرى اختارت الأبيض، وثقافات منحته ألوانًا مختلفة. كأن الإنسان لم يحتمل فكرة بلا شكل، فراح يرسم الموت ويكسوه ويقيم له الطقوس. نحن نفعل ذلك مع الأشياء التي تعجز عقولنا عن احتوائها: نحوّل المجهول إلى رمز، لأن الرمز أقل رعبًا من الفراغ!

لكن هل نشعر فعلًا باقتراب الموت؟

كم من إنسان استيقظ في صباحه الأخير وهو يضع خططًا للأسبوع المقبل؟ كم من شخص ودّع صديقًا قائلًا: "أراك غدًا"، ولم يكن في عمره غد؟

ربما لا نشعر بالموت حين يقترب، نحن نشعر فقط بأن شيئًا ما ينتهي. شباب يتراجع، قوة تخفت، علاقة تنطفئ، بيت نغادره للمرة الأخيرة من دون أن نعرف أنها الأخيرة، وكل نهاية صغيرة ليست إلا تدريبًا خفيًا على النهاية الكبرى، وهنا أصل إلى سؤال أكثر إرباكًا: هل الموت نقيض الحياة أصلًا؟

نحن نضعهما على طرفي المعادلة: الحياة هنا، والموت هناك. لكن ماذا لو كان الموت جزءًا من تعريف الحياة نفسها؟ فالشيء الذي لا يمكن أن ينتهي، هل نستطيع أن نشعر بقيمته؟

ربما جمال اللحظة نابع تحديدًا من استحالة الاحتفاظ بها. نحن نحب لأن الوقت محدود، ونشتاق لأن اللقاء ليس أبديًا، ونلتقط الصور لأننا نعرف في مكان عميق داخلنا أن المشهد لن يبقى كما هو. ولو كنا خالدين، ربما لما استعجل أحد اعتذارًا، ولا لقاءً!

ولهذا أظن أننا لا نخاف الموت وحده، نحن نخاف انقطاع الحكاية، نخاف كتابًا لم نكمله، بلدًا لم نزره، كلمة صادقة أجلناها، خصومة لم ننهها، طفلًا نريد أن نراه يكبر، وحلمًا يحتاج عامًا آخر.

ربما الإنسان لا يريد الخلود كما يعتقد، ربما يريد فقط وقتًا كافيًا ليضع النقطة الأخيرة في جملته، ولكن المفارقة الأكثر قسوة أن الموت قد لا يكون تجربة الميت أصلًا!

فالذي يرحل ينقطع عنه إدراكنا، أما الذين يبقون فهم الذين يحملون الموت بعده. هم الذين يدخلون الغرفة الفارغة، ويطوون الملابس، ويغلقون الحسابات، ويحذفون المواعيد، ويتوقفون أمام رقم هاتف يعرفون أن الاتصال به أصبح بلا معنى، ولهذا أسأل: فلمن يحدث الموت حقًا؟ للراحل أم للباقين؟

قد يموت الإنسان مرة واحدة، بينما يموت في ذاكرة أحبائه مئات المرات: في أول عيد بعده، وفي أول مقعد فارغ، وفي خبر جميل يندفع أحدهم ليخبره به قبل أن يتذكر، وفي رائحة عطر تمر فجأة فتعيد قلبًا كاملًا إلى زمن انتهى.

ثم هناك الزمن، هل الموت نهاية الزمن بالنسبة إلى الميت، أم نهاية الميت بالنسبة إلى الزمن؟

نحن نقيس الحياة بالدقائق والسنوات لأننا داخلها. لكن عندما ينطفئ الوعي، ماذا تعني ألف سنة؟ قد تتغير المدن، وتسقط دول، وتولد أجيال، بينما لا تمر على الراحل ثانية واحدة بالمعنى الذي نعرفه. ومع ذلك، نعيش كأن الموت إشاعة!

نراه، ندفن أحباءنا، نعود من المقابر، ثم نفتح هواتفنا ونحدد مواعيد للعام المقبل. وربما ليست هذه سذاجة، بل أعظم حيلة اخترعتها الحياة كي تستمر. فلو حمل الإنسان يقين موته بكامل ثقله في كل صباح، ربما لم يزرع شجرة، ولم يبنِ بيتًا، ولم ينجب طفلًا!

ولهذا يبقى السؤال الذي يربكني أكثر من الموت نفسه: إذا كان الموت عدمًا، فكيف يستطيع شيء لم نختبره قط أن يملأ حياتنا بكل هذا الخوف؟

ربما لأننا، في أعماقنا، لا نخاف العدم بقدر ما نخاف فكرة أشد قسوة:

أن تشرق الشمس في اليوم التالي، وتمتلئ الشوارع، ويضحك الناس، وتستمر الحكايات، ويأتي الربيع في موعده.

ويستمر كل شيء، كأننا لم نكن هنا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.