لم يعد الذكاء الاصطناعي في المملكة مجرد تقنية جديدة تتسابق المؤسسات إلى استخدامها، بل أصبح جزءًا من مسار اقتصادي وتنموي أوسع، تتداخل فيه البنية التحتية والاستثمار والتشريعات وتنمية الكفاءات. واللافت أن هذا المسار بدأ قبل موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي اجتاحت العالم خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ إنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» عام 2019، ثم اعتماد الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في 2020، بدأت المملكة في بناء إطار واضح للتعامل مع هذه الصناعة. وحددت الاستراتيجية مستهدفات حتى 2030، من بينها الوصول إلى قائمة أفضل 15 دولة عالميًا في الذكاء الاصطناعي، واستقطاب استثمارات بنحو 75 مليار ريال، وتأهيل أكثر من 20 ألف متخصص وخبير، وتحفيز إنشاء أكثر من 300 شركة ناشئة.
ولم يتم التعامل مع الذكاء الاصطناعي كقطاع منفصل، بل كممكن يمتد أثره إلى قطاعات مختلفة، وتوضح «سدايا» أن البيانات والذكاء الاصطناعي يرتبطان بصورة مباشرة أو غير مباشرة بـ66 هدفًا من أصل 96 هدفًا لرؤية السعودية 2030. ولهذا اتسعت التطبيقات لتشمل الخدمات الحكومية والصحة والتعليم والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
وبدأت نتائج هذا العمل تظهر خارجيًا. ففي مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي لعام 2024 وصلت المملكة إلى المرتبة الرابعة عشرة عالميًا والأولى عربيًا، وحافظت على المركز الأول عالميًا في معيار الاستراتيجية الحكومية. كما جاءت في المرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025.
لكن التطور الأبرز اليوم يظهر في نوعية الاستثمارات نفسها. فالمملكة لم تعد تركز على استخدام التطبيقات فقط، بل تتجه إلى بناء البنية التي تحتاج إليها صناعة الذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة إلى الطاقة والاتصال.
الاستثمار الحقيقي على المدى الطويل يظل في الإنسان؛ في الباحث والمهندس ورائد الأعمال القادر على تحويل هذه الإمكانات إلى منتجات وخدمات وشركات.
وتشير النتائج إلى أن المملكة قطعت مرحلة مهمة في بناء الجاهزية. أما المرحلة المقبلة حتى 2030 فتبدو أكثر وضوحًا لتحويل هذه الجاهزية والاستثمارات إلى قدرة إنتاجية مستدامة.
ويبقى التحول الأهم ليس في زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب بل في أن تصبح المملكة شريكًا في صناعته، وفي بناء القيمة الاقتصادية الناتجة عنه.

