إيلاف من البندقية: قبل أن تُضاء شاشات العرض وتستقبل السجادة الحمراء نجوم السينما، وجدت الدورة الثالثة والثمانون من مهرجان فينيسيا السينمائي نفسها في قلب جدلين متزامنين: حضور مخرجة واحدة فقط في مسابقة الأسد الذهبي، وتصاعد الضغط على إدارة المهرجان لاتخاذ موقف واضح من الحرب في غزة.
وقبل ساعات من الافتتاح، أعاد المهرجان المؤتمر الصحفي التقليدي للجنة التحكيم إلى جدول اليوم الأول، متراجعًا عن قرار مفاجئ بإلغائه. وكانت الإدارة قد أرجعت الإلغاء إلى تعارض في المواعيد، نافيةً أن يكون القرار مرتبطًا باعتبارات سياسية.
غير أن الخطوة أثارت انتقادات وتساؤلات، خصوصًا بعدما وقّع أكثر من 200 من العاملين في السينما والثقافة رسالة مفتوحة أطلقتها مجموعة «فينيسيا من أجل فلسطين»، طالبت فيها المهرجان بتسليط الضوء على القضية الفلسطينية ورفع علم فلسطين إلى جانب أعلام الدول المشاركة.
لجنة تحت الضوء
تترأس الممثلة والمخرجة الأميركية ماغي جيلنهال لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وتضم إلى جانبها المخرجة التونسية كوثر بن هنية، والمؤلف الموسيقي البريطاني دانيال بلومبرغ، والباحث الإيطالي فرانشيسكو كاسيتي، والمخرج الفرنسي كزافييه جيانولي، والمخرجة الأفغانية شهربانو سادات، والمخرج جونّي تو من هونغ كونغ.
وتُقام الدورة الثالثة والثمانون من 2 إلى 12 سبتمبر 2026 في جزيرة الليدو بمدينة البندقية الإيطالية، حيث تتحول المنطقة طوال أحد عشر يومًا إلى ملتقى لصنّاع الأفلام والنقاد والصحافة العالمية، ومحطة تفتح مبكرًا موسم الجوائز السينمائية.
أقدم المهرجانات
تأسس مهرجان فينيسيا عام 1932، ويحتفظ بمكانته بوصفه أقدم مهرجان سينمائي دولي في العالم وأحد أبرز المهرجانات المؤثرة في خريطة السينما العالمية. وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت عروضه الأولى نقطة انطلاق لعدد من الأفلام التي واصلت طريقها إلى جوائز الأوسكار.

سباق الأسد
يتنافس 21 فيلمًا على جائزة الأسد الذهبي، وفق القائمة الرسمية المحدّثة للمهرجان. ويفتتح المهرجان بفيلم «Ink» للمخرج البريطاني داني بويل، من بطولة جاك أوكونيل وغاي بيرس وكلير فوي، ويتناول صعود الإمبراطورية الصحفية لروبرت مردوخ في بريطانيا.

وتشهد المسابقة عودة المخرج الياباني هيروكازو كوريدا بفيلم «Look Back»، والكوري لي تشانغ دونغ بفيلم «Possible Love»، فيما يقدم المخرج الألماني فيرنر هيرتزوغ فيلم «Bucking Fastard»، الذي يجمع الشقيقتين كيت وروني مارا للمرة الأولى على الشاشة، إلى جانب أورلاندو بلوم ودومنال غليسون.
وينافس مارتن ماكدونا بفيلم «Wild Horse Nine»، بمشاركة جون مالكوفيتش وسام روكويل وستيف بوشيمي، بينما يقدم فلوريان زيلر فيلم «Bunker»، الذي يجمع بين بينيلوبي كروز وخافيير بارديم وستيفن غراهام وبول دانو.

ويشارك روبرت باتينسون في المسابقة بفيلم «Primetime» للمخرج لانس أوبنهايم، فيما يعود المخرج الإيطالي ناني موريتي بفيلم «It Will Happen Tonight». وتشمل القائمة أيضًا أعمالًا لباولو ستريبولي، وأندريا بالورو، وسيدريك كان، وستيفان بريزيه.

وثائقي غزة
وتضم المسابقة الفيلم الوثائقي «NAZA» ليوفال أبراهام وراشيل زور، وهما من الفريق الذي صنع الفيلم الفائز بالأوسكار «لا أرض أخرى». وصُوّر الفيلم ليلًا فوق أسطح تل أبيب، ويتناول، بحسب وصف المهرجان الرسمي، الأنظمة الكامنة وراء قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة.
ويُعد «NAZA» الفيلم الوثائقي الوحيد بين الأفلام الـ21 المتنافسة على الأسد الذهبي، ومن المنتظر أن يكون أحد أكثر عروض الدورة استقطابًا للنقاش.
صوت نسائي
تمثل المخرجة الدنماركية من أصول مصرية مي الطوخي الحضور النسائي الوحيد بين مخرجي أفلام المسابقة الرسمية، من خلال فيلمها «امرأة مجهولة»، الذي تدور أحداثه في الدنمارك عقب الحرب العالمية الثانية.

ويروي الفيلم قصة ماري، وهي مربية أطفال وخادمة شابة تستعد للزواج من رب عملها الأرمل والثري، بينما يهدد ماضيها بالظهور بعدما ارتبطت خلال الحرب بجندي ألماني. وأعاد اقتصار المسابقة على مخرجة واحدة النقاش حول تمثيل النساء في المهرجانات السينمائية الكبرى، ووجّه انتقادات إلى المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربيرا.
حضور فلسطيني
تسجل السينما العربية حضورًا في أقسام المهرجان المختلفة، يتقدمه فيلما المخرجين الفلسطينيين أحمد حسونة ومؤيد عليان.
ويُعرض فيلم أحمد حسونة الوثائقي «المواطن أسامة» خارج المسابقة، ويتابع المصور والصحفي أسامة العشي، الذي يوثق الدمار في شمال غزة المحاصر بينما يحاول حماية زوجته وطفله حديث الولادة وتأمين احتياجات أسرته.
أما مؤيد عليان، فيشارك بفيلم «حوار مع البحر» ضمن مسابقة «فينيسيا سبوتلايت». وتدور أحداثه في القدس حول كمال، وهو فلسطيني في الستين من عمره تأمره محكمة إسرائيلية بتسديد دين للضمان الاجتماعي منسوب إلى ابنه وائل، الذي يُعتقد أنه غرق في البحر الأحمر قبل عقود. ومع غياب أي سجل رسمي يثبت وفاته، يبدأ الأب رحلة للبحث عن حقيقة ما جرى.

ومن لبنان، يشارك رامي قديح بفيلم «Furies» ضمن «فينيسيا سبوتلايت». وتدور قصته على خلفية الأزمة المصرفية اللبنانية، حيث تخطط امرأتان لسرقة مصرف بهدف استعادة مدخراتهما وتأمين تكاليف عملية جراحية تنقذ حياة إحداهما.
وتشارك المخرجة اللبنانية المغربية شادن صفي الدين تازي بالفيلم الوثائقي القصير «A Few Moments of Happiness» في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن قسم «آفاق». ويتابع الفيلم مخرجة لبنانية شابة في باريس تشاهد الحرب في لبنان عبر هاتفها، مستعينًا بتسجيلات الشاشة وأصوات أفراد عائلتها ولحظات الصمت.
ويكتمل حضور المخرجين العرب أو المنحدرين من أصول عربية بفيلم مي الطوخي في المسابقة الرئيسية، لترتفع المشاركة إلى خمسة أفلام موزعة على أقسام المهرجان الرسمية.
امتداد كردي
ويحضر المخرج الكردي النرويجي هلكوت مصطفى بفيلم «لا جنة لمن تقتلها امرأة»، المعروض خارج المسابقة. ويتتبع الفيلم قناصة كردية تعود إلى الموصل بعدما تعلم أن شقيقتها الصغرى، التي كان يُعتقد أنها فُقدت خلال هجوم تنظيم «داعش» عام 2014، قد تكون لا تزال على قيد الحياة.

وسبق لهلكوت مصطفى أن قدم عام 2023 الفيلم الوثائقي «إخفاء صدام حسين»، الذي تناول السنوات التي أمضاها الرئيس العراقي السابق مختبئًا قبل اعتقاله.
ولا يقتصر الحضور العربي على الأفلام؛ إذ تشارك كوثر بن هنية في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، بعد فوز فيلمها «صوت هند رجب» في الدورة الماضية بجائزة الأسد الفضي، الجائزة الكبرى للجنة التحكيم.
حضور سعودي
يأتي الحضور السعودي هذا العام عبر الإنتاج المشترك ودعم المشروعات، بعد مشاركة فيلم «هجرة» للمخرجة السعودية شهد أمين في دورة 2025 ضمن مسابقة «فينيسيا سبوتلايت».

ودارت أحداث «هجرة»، الذي شاركت في إنتاجه السعودية والعراق ومصر وبريطانيا، حول جدة تنطلق في رحلة عبر الأراضي السعودية مع حفيدتيها، في عمل أعاد شهد أمين إلى فينيسيا بعد تجربتها الأولى «سيدة البحر».
وفي الدورة الحالية، يُدرج المهرجان فيلم «حوار مع البحر» بوصفه إنتاجًا مشتركًا بين فلسطين وهولندا والسعودية وقطر، بمشاركة صندوق البحر الأحمر في الإنتاج. كما يظهر اسم السعودية ضمن إنتاج فيلم «Guria» للمخرج ليفان كوغواشفيلي في «فينيسيا سبوتلايت»، وفيلم «بيت الريح» للمخرج أوغست برنار كويمو يانغو في مسابقة «آفاق».
وأعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي مشاركة ثلاثة أفلام مدعومة منها في البرنامج الرسمي، إلى جانب ثمانية مشروعات في برامج الصناعة التابعة للمهرجان. وتشمل مشاركتها دعم ثلاثة مشروعات في سوق فينيسيا لتمويل الأفلام وخمسة من المشروعات الستة المختارة في برنامج «فاينال كت في فينيسيا».
وتواصل المؤسسة دعم برنامج «فاينال كت» للعام الخامس على التوالي، مع تقديم صندوق البحر الأحمر جائزة نقدية إلى أحد المشروعات المختارة.


