: آخر تحديث

القراءة الخطرة... والقارئ المقاوم!

1
1
1

كثيراً ما نجد أصدقاء يلجأون إلى كتبٍ بعينها لإثبات حقائق متوهمة. هنا عليك أن تخوض معركتين؛ الأولى: أن تحرر القارئ من أسره، وتفكك القيود التي تربطه بتلك الأفكار، والأخرى: أن تقتحم حصن الأفكار نفسها لتثبت أنها مجرد وهم تمكّن من الاستيلاء على عقل القارئ لأنه وصل إليه أولاً؛ فـ«العقل يحتلُّه الأسبق إليه» كما يقول الأستاذ إبراهيم البليهي.

لا مثيل للقراءة كوسيلة لتغذية العقل، لكنّها قد تتحول من أداة لتحرير العقل إلى أداة لاستعماره، وقد تجعل الإنسان سجيناً لأفكار الآخرين. وإذا كنا في حاجة إلى القراءة، فنحنُ في حاجة أشدّ إلى التأمل والنقد والمقارنة؛ لأن القراءة التي لا يعقبها تأمل ونقد، لا تفعل سوى أن تجعل الإنسان يعيش بعقل غيره.

الحقيقة، أن القراءة تصنع سلطة معرفية غير مرئية، سلطة مهيمنة يفرضها النسق الفكري للكاتب؛ فالمؤلف هنا لا يموت، بل هو حاضر يمارس سلطته بأدوات ناعمة، يفرض نسقه وأفكاره ولغته ومرجعياته على القارئ المُستَلَبْ والمستسلم لسطوة النصّ. فكل مؤلف يضع للقارئ تعريفاته، وأولوياته، وطريقته في رؤية العالم، والقارئ في حاجة إلى أن يكون «مقاوماً» يمكنه العبور بين حقول الألغام التي يزرعها المؤلف عمداً أو دون قصد.

لطالما حذّر الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 - 1860) من مخاطر القراءة، لا سيما في مقالتيه: «عن التفكير الذاتي» و«عن الكتب والقراءة»، عادَّاً أن القراءة قد تحوّل الإنسان حقلاً مغلقاً لأفكار الآخرين. وهو يرى أن الإفراط في القراءة قد يضعف التفكير المستقل، حيث يقول: «الشخص الذي يقرأ كثيراً، ويكاد يقرأ طوال اليوم، يفقد تدريجياً القدرة على التفكير بنفسه»، وبشكل صادم يقول: «لقد قرأوا حتى أصبحوا أغبياء»، في انتقاد لاذع للقراءة التي لا يصاحبها تفكير ونقد؛ إذ «لا قيمة كبيرة لمعرفة لم تفكر فيها» كما يعتقد. فالقراءة ليست هي التفكير، وليست بديلاً عنه.

يفرّق شوبنهاور بين المتعلم والمفكر؛ بين شخص جمع معلومات كثيرة من الكتب، وشخص فكّر فيما قرأه وربطه بتجاربه ومعرفته. ولهذا؛ يرى أن المعرفة التي يفكر فيها الإنسان بنفسه تصبح جزءاً من بنيته الفكرية، في حين المعرفة التي يأخذها جاهزة تبقى كأنها شيء مستعار.

شوبنهاور لا يدعو إلى ترك القراءة، فهو يقول بوضوح إن الإنسان لا يستطيع التفكير في شيء لا يعرفه؛ ولذلك يحتاج إلى التعلم والقراءة، لكنه يضع شروطاً ومعايير لذلك؛ وأهمها أن تكون القراءة في خدمة التفكير ولا تحلّ محلّه، وأن تكون القراءة «نوعية» في مقابل القراءة «الكثيرة»، فـ«الكتب السيئة سمّ فكري، إنها تدمر العقل»، على حد تعبيره.

وبالنسبة للقارئ، فهناك من يسكن في بطون الكتب التي يقرأها ولا يغادرها، وهناك من يجعل الكتاب جسراً يعبره. القراءة الصحيحة هي تلك التي لا تجعلك أكثر حفظاً لأفكار الآخرين، بل أكثرهم قدرة على طرح الأسئلة مع كل كتاب جديد. هؤلاء القراء لديهم من الوعي ما يجعلهم ينفرون من الكتب التي تفرض عليهم أجوبة جاهزة؛ إذ إن العقل لا ينضج بكثرة ما يستقبل، بل بقدرته على هضم ما يستقبل، ومجادلته، وإعادة تشكيله في ضوء تجربته الخاصة. لكن علينا الاعتراف بأن القراءة ليست بريئة دائماً، إنها واحدة من أقوى أدوات تشكيل الوعي؛ قد يستخدمها الإنسان لتوسيع عقله، وقد تُستخدم لتشكيل العقل والاستيلاء عليه. هي في جوهرها ممارسة محفوفة بالخطر؛ لأنها عبارة عن عملية تشكيل ناعمة وخطيرة لوعي الإنسان. فالكتاب ليس مجرد حبر على ورق، بل هو نسق فكري يسعى للاستحواذ على عقل القارئ وفرض مرجعياته وتعريفاته عليه. وهنا تحديداً ينكشف الوجه الآخر للفعل القرائي؛ فالقراءة دون حسّ نقدي لا تزيد العقل إلا استسلاماً، ولا تزود الملتهم السلبي للنصوص إلا بيافطات جديدة يبرر بها جهله.

يلخص الكاتب الساخر برنارد شو هذه الظاهرة بلغة حادة ومباشرة حين يقول: «إذا قرأ الغبي الكثير من الكتب الغبية، سيتحول غبياً مزعجاً وخطيراً جداً؛ لأنه سيصبح غبياً واثقاً من نفسه، وهنا تكمن الكارثة»!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد