منذ 93 عاماً لم يسجل مؤتمر البترول العالمي حضوراً بحجم ما شهدته الرياض خلال نسخته الخامسة والعشرين، التي استضافتها المملكة للمرة الأولى ضمن أسبوع الطاقة في الرياض.. أكثر من 33 ألف زائر، وممثلون من 135 دولة، و489 ممثلاً لوسائل الإعلام، وهي أرقام تعكس حجم الاهتمام بهذا الحدث، وتدفع إلى قراءة دلالاته على مكانة المملكة في قطاع الطاقة العالمي، وعلى الدور الذي تؤديه الرياض في استضافة الحوارات الاقتصادية وجمع المؤسسات حول القضايا التي تؤثر في مسارات التنمية والاستثمار.
هذا الحضور الذي تحقق خلال الفترة من 11 إلى 15 أكتوبر يعكس الثقة التي تحظى بها المملكة لدى صناع القرار وقادة القطاع والمستثمرين، ويظهر قدرتها على جمع الأطراف المؤثرة في صناعة الطاقة لمناقشة قضايا ترتبط بأمن الإمدادات واستقرار الأسواق ومستقبل الاستثمارات.. وهي قضايا تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع التحولات السياسية والتقنية، وتتطلب حواراً بين المنتجين والمستهلكين.
ولعل ما يلفت النظر أن المؤتمر سجل هذا الإنجاز في أول استضافة سعودية له، تحت شعار "مسارات نحو مستقبل طاقة للجميع"، بمشاركة وزراء الطاقة والخبراء وصناع السياسات وقادة الشركات.. وهذا التنوع في الحضور يعكس اتساع الملفات التي أصبحت تشغل قطاع الطاقة، من تلبية الطلب العالمي إلى تطوير التقنيات ورفع كفاءة الإنتاج، وصولاً إلى بناء استثمارات طويلة الأجل قادرة على دعم النمو الاقتصادي.
كذلك فإن أهمية هذا الحدث ترتبط بالمكانة التي بنتها المملكة عبر عقود من العمل في صناعة البترول، وما تمتلكه من خبرة في فهم حركة الأسواق وإدارة التحديات المرتبطة بالإمدادات.. هذه الخبرة منحتها حضوراً مؤثراً في النقاشات الدولية، وجعلت الرياض وجهة مناسبة لالتقاء المصالح وتبادل الرؤى حول مستقبل قطاع تتأثر به اقتصادات العالم مباشرة.
وبالتالي فإن استضافة مؤتمر بهذا الحجم تعكس تطور القدرات التنظيمية والمؤسسية في المملكة، وجاهزية قطاعات الضيافة والنقل والخدمات لاستقبال تجمعات دولية واسعة.. كما تفتح اللقاءات المصاحبة للمؤتمر فرصاً لبناء علاقات مهنية واستثمارية، وتبادل المعرفة بين الشركات والمؤسسات، وتعزيز حضور الرياض في الفعاليات الاقتصادية المتخصصة، بما ينعكس على حركة الأعمال ويمنح القطاع الخاص فرصاً للتواصل مع شركاء دوليين.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة تستدعي البناء على هذا النجاح، من خلال متابعة فرص التعاون التي طرحتها اللقاءات، وتحويلها إلى مبادرات وشراكات عملية في مجالات الابتكار وتطوير الكفاءات وكفاءة الطاقة.
هذه هي المملكة التي نعرفها، بثقلها في قطاع الطاقة وخبرتها المتراكمة وقدرتها على جمع العالم في الرياض.. وما تحقق في المؤتمر يعكس حضوراً سعودياً راسخاً، ومساراً تنموياً يربط المكانة الدولية بالعمل المؤسسي والفرص الاقتصادية.

