فاضت وسائل الميديا في لبنان على أنواعها في السنوات الأخيرة بسيل من مذكرات الحرب الأهلية، التي قضت على نحو 150 ألف بشري. ومعظم هذه الأحاديث تتسم بالصدق والصراحة والندم الشديد. وجميع المقاتلين ينظرون إلى الوراء ويعلنون أسفهم. وأكثر ما يلفت في هذه الظاهرة أن الذين قرروا «الاعتراف» هم فقط قادة الفريق المسيحي. فالجانب الآخر لا «اعتراف» لديه، ولا أخطاء، وإنما هو صاحب «القضية» التي لم تتغير مع تغير الجبهات والأسلحة والجهات.
لكن تبرز في الجانب الآخر بين كل الشهادات أقوال الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي يعبر أكثر من أي سياسي آخر عن الدوافع والأسباب والمشاعر، التي حركت المتحاربين.
كيف نكتب (أو نتحدث) اليوم عن حرب كاسرة مضى عليها نصف قرن؟ ومعظم الذين كنت تقاتلهم ما زالوا أحياء وشركاء في الحياة والسلطة؟
في غمرة الإصدارات تميز كتاب «غازي كنعان... صانع دولة الدمى» للزميل نقولا ناصيف، عن دار «النهار» للنشر.
يغطي الكتاب في عملية بحث مجردة أدق مراحل السنوات «السورية» في لبنان التي ارتبطت باسم الحاكم الأول اللواء غازي كنعان، وكذلك الحاكم الثاني رستم غزالي. وقد قتل الاثنان، ولم ينتحر كنعان، كما قالت الرواية الأولى.
أهم ما في كتاب ناصيف، الصورة التي يقدمها عن «لبنانيي سوريا» في تلك المرحلة. من الصعب أن تميز بين الموضوعية والصراحة والقسوة. وكثير من الأشياء كانت الناس ترددها، لكنها ترد الآن بلا ضوابط.
هذا كتاب ناصيف العاشر عن لبنان الحرب. ولم يؤخذ على أي من المؤلفات السابقة أي مأخذ في مهنيته، لكن «دولة الدمى» يتناول شخصيات كثيرة وحالات حرجة أو محرجة، كثيرة أيضاً.

