: آخر تحديث

نحن نعيش ثورة أهم أضلاع المثلث

3
3
3

رائد محمد آل شهاب

كتبت سابقاً مقالا بعنوان «أهم أضلاع المثلث»، والآن نعيش ثورة معرفية لا مثيل لها. فالعالم بدأ بالثورة الزراعية حين بدأ الإنسان لأول مرة بزراعة المحاصيل وتدجين الحيوانات، ثم الصناعية والتي أتاحت لنا أتمتة الكثير من الأعمال البدنية، مما جعل السلع المادية بشكل عام أقل تكلفة وأكثر وفرة. بالفعل، قلّصت الثورة الصناعية الحاجة إلى العمل اليدوي. استبدلت الثورة الصناعية الحرفية اليدوية بالإنتاج الآلي، مما مكّن من تكرار السلع وتصنيعها على نطاق واسع. أصبح بالإمكان إنتاج الأحذية والسيارات والمحاصيل بكفاءة وانتظام. لكن المنتجات أصبحت أيضاً أكثر رتابة، وقابلة للتنبؤ، ومجردة من هويتها الفردية. تراجعت الحرفية إلى الهامش، لتصبح ترفاً أو شكلاً من أشكال المقاومة. وهناك دول عاشت الثورة النفطية وانعكس عليها الازدهار في مجالات متعددة.

كانت الثورة المعرفية حركةً فكريةً ظهرت في منتصف القرن العشرين، ونقلت دراسة علم النفس والعلوم من التركيز على المدرسة السلوكية إلى التركيز على العمليات الداخلية للعقل.

قبل هذه الحركة، هيمنت المدرسة السلوكية على علم النفس في الفترة الممتدة من ثلاثينيات إلى خمسينيات القرن العشرين. فقد جادل السلوكيون بأن على العلماء دراسة السلوك القابل للملاحظة والقياس فقط، معتبرين أن الحالات الذهنية الداخلية ذاتية للغاية ويصعب قياسها بموضوعية. غيرت الثورة المعرفية هذه النظرة، إذ تعاملت مع العقل باعتباره معالجاً نشطاً للمعلومات، وليس مجرد متلقٍ سلبي للمحفزات الخارجية.

ساهمت أدوات جديدة مستمدة من علوم الحاسوب، واللسانيات، والذكاء الاصطناعي في إطلاق هذا النهج الجديد، وبدأ باحثون في مؤسسات مثل جامعة هارفارد أمثال جورج ميلر، ونعوم تشومسكي، وجيروم برونر في تحليل الذاكرة البشرية، واللغة، وعمليات التفكير. وقد استخدموا الحاسوب كاستعارة توضيحية، حيث شبهوا الدماغ بالمكونات المادية (Hardware) والعمليات الذهنية بالبرمجيات (Software). وشكلت هذه الشبكة متعددة التخصصات حجر الأساس لعلم الإدراك (أو العلوم المعرفية) الحديث.

أما الآن، وفي ظل الثورة المعرفية، مع وجود مصانع الذكاء الاصطناعي واستثمارات بمئات المليارات من الدولارات في الرقائق الإلكترونية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، فإن العمل الذهني يشهد أتمتة واسعة النطاق تشمل كافة القطاعات والمهن، بدءاً من استقبال القضايا القانونية ومعالجتها، ومروراً بإنتاج المحتوى، ووصولاً إلى البحث العلمي.

والسؤال هنا: هل يُدفع مقابل العمل البدني أقل بكثير مما يُدفع مقابل العمل المعرفي؟

هذا سؤال موجه للمشككين المتبقين وأولئك الذين لم يواكبوا التطور بعد، والذين يزعمون أن الذكاء الاصطناعي مجرد «فقاعة»، فما نشهده هو أتمتة جوهرية للقدرات المعرفية.

إن هذا التحول يستهدف قطاع الخدمات بأكمله في الاقتصاد، وهو القطاع الذي يمثل 70 % من الناتج المحلي الإجمالي للدول المتقدمة، وبقيمة تتجاوز 10 تريليونات دولار في الولايات المتحدة وحدها، لذا، فالأمر ليس مجرد فقاعة.

قد يسأل القارئ: ما هو الجديد في ذلك؟

قبل عدة أيام، سمعت نقاشات ممتعة ومدهشة عبر برامج متعددة: عن إمكانية تغير وتقلص دور التعلم التقليدي في المدارس والجامعات في ظل وجود الكم الهائل من الثورة المعرفية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي. يتابع التعليق، بأن الذكاء الاصطناعي مجرد برمجة من صنع البشر، فكان العلماء في حيرة من أمرهم لاختيار اسم لهذه البرمجة، فتم اختيار الذكاء الاصطناعي ليكون اختراعا مميزا للبشرية. والبعض يثير إعادة التفكير في الفترة الزمنية الطويلة والتي تقدر ب 12 سنة بالمراحل الدراسية المختلفة. فهذه النقاشات، خرجت من شخصيات لها باع وخبرة طويلة، تستحق النظر إليها.

ومن هنا، نسأل أنفسنا: هل سوف تختفي المؤسسات التعلمية تدريجياً في ظل الثورة المعرفية العالية الدقة؟ ففي الوقت الراهن، هناك تحديات كبيرة في استعانة الطلبة بالذكاء الاصطناعي في مجالات أبحاثهم العلمية، في مقابل مواجه صعوبات تحديد مستويات الطلبة الحقيقية بسبب الدقة وزخم المعلومات التي يعالجها هذا النظام في أجزاء من الثانية.

بما أن العالم الإسلامي والعربي يواجه تحديات كبيرة في مجالات متعددة مقارنة بالعالم الغربي، أعتقد يجب علينا دراسة هذا الموضوع على مستويات أكاديمية رفيعة، وتحديد الإيجابيات والسلبيات لسد الثغرات في كلا العالمين، وأخد عامل الوقت للتطور والتقدم:

- هل سوف تتحول المؤسسات التعلمية إلى مراكز تخصصية وعملية مركزة؟

- هل ستكون المؤسسات التعلمية مراكز اختبار وتحقق المؤهلات؟

- هل علينا مراجعة التفكير بالفترة الزمنية للدراسة التقليدية، واستبدالها أو تخفيضها من أجل مجالات أخرى كالزراعة والصناعة والتحول الرقمي...؟

- بما أن تعداد السكان في العالمين الإسلامي والعربي كبير جدا، قد يكون إعادة التفكير واعداد دراسات عميقة من أجل التخطيط المهني والاستدامة في البيئة ومجالات أخرى أمر بالغ الأهمية. فمعالجة التغيرات المناخية، هو مطلب عالمي لتفادي أكبر تهديد للبشرية.

والقائمة تطول...

* * *

المصادر:

- The Cognitive Revolution – By. AI Overview

- The Cognitive Revolution: Is AI a Bubble or a Reality? By. Ivan Tryskyba – LinkedIn

- Is AI Sparking a Cognitive Revolution that Will Lead to Mediocrity and Conformity? By/ The Conversation – Professor. Wolfgang Messner, University of Carolina – June 02, 2025

- نقاش حواري ومقابلة مع مؤسس ورئيس مجموعة طلال أبو غزالة العالمية د. طلال أبو غزالة: ما في داعٍ للجامعات ولا للمدراس في أقل من 10 سنوات. رؤيا أخبار - Royanabdalbalad, Roya News نبض البلد December 06, 2025

- الدكتور. نايف بن نهار الشمري، مقطع فديو يوضح فيه طول الفترة الدراسية 12 سنة، تحتاج للتأمل والمراجعة. يعتبرها ظلما لوقت الإنسان بسبب الفترة الزمنية الطويلة. فقط معلومات لتعريف بالمقطع: عن طريق عرض الأستاذ. حمد بن مبارك الفضالة، وهو يقول: نايف بالنهار يا أخي لا تسكت. يرحم أمك لا تسكت يا نايف بالنهار. والله العظيم حفظت كلامك كله. كل كلامك اللي قلته حافظه. كمل. ليش تسكت؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد