مع كل ما امتازت به الأحمدى من تنظيم عصري، إلا أننا فشلنا في أن نبني ولو واحدة من مناطقنا السكنية بالطريقة نفسها، بل بنت الحكومة بيوتاً تفتقد لكل ذوق لأسر ذوي الدخل المحدود والمتوسط، على الرغم من أن تصاميم بيوت الأحمدي كانت ملائمة أكثر، بل مثلى، لطقس الكويت، كما كانت احتياجاتها من الغاز والخدمات الأخرى تتوافر مباشرة من المصدر، وبعد سبعين عاماً، لا نزال نصرُّ على استخدام سلندرات الغاز الخطرة والقبيحة، وربما في الأمر سر ما؟
كنا ننهي «كشة الأسبوع»، بالمرور على الأحمدى، وشراء، ما لذ وطاب من مخزن زمزم، للمرحوم عبدالخضر عبدالرحيم. ومع منتصف الستينيات أصبح لنا أصدقاء من موظفي شركة النفط، وكنا بالفعل نتحسر على بساطة وجمال بيوتهم، مقارنة بقلاع الكونكريت التي كنا نسكنها، فقد كانت بسيطة وجميلة وباردة، والأشجار والزهور تملأ أركانها.
كلما زرت الأحمدى كنت استغرب من إطلاق اسم «البئر الجنوبية»، ساوث ويل South Well، على مستشفاها، وكنت أعتقد أنه مكان أول بئر حُفرت لاستخراج النفط، وكنت أتساءل عن سبب وجود فوهة البئر على ما يشبه «التلة». استغرق الأمر قرابة ستين عاماً، لأكتشف بأن «ساوثويل» لا تعني البئر الجنوبية، بل كلمة واحدة، تعني اسم أول من تولى رئاسة مجلس إدارة شركة نفط الكويت، السير فيليب ساوثويل (Sir Philip Southwell)، وتم تكريمه بإطلاق اسمه على مستشفى المدينة، عند افتتاحه عام 1960. علما بأن إدارته استمرت من 1946، سنة تصدير أول شحنة نفط، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى تقاعده عام 1959. تغير اسم المستشفى تالياً مرات عدة، قبل أن يستقر على «مستشفى الأحمدي».
بعد انقطاع دام طويلاً، قمت قبل أيام بزيارة الأحمدي، بدعوة من صديق يشغل منصباً تقنياً رفيعاً، للاطلاع على أنشطة الشركة، وزيارة معرضها الذي يروي تاريخ الشركة، وهناك اكتشفت كم كنت جاهلاً، ربما مثل الغالبية الساحقة من المواطنين، بما تعنيه هذه المدينة لنا، وعلى الرغم من أنها مصدر المعيشة الطيبة التي ننعم بها، وعنوان رخاء الدولة، وموطن «حقل برقان»، سيد حقول الكويت النفطية، الذي تم اكتشاف إمكاناته عام 1938، ولكن إنشغال بريطانيا في حربها مع ألمانيا، دفعها لإغلاقه، وإعادة فتحه بعدها بثماني سنوات، والذي يعتبر الأكبر في العالم، بعد حقل الغوار السعودي.
عرفت في تلك الزيارة الكثير الذي كان خافياً علي، خاصة بعد زيارة معرض الشركة، وكان العرض الذي استغرق قرابة نصف الساعة مميزاً، عرفت من خلال شرح العاملين فيه من الشباب الكويتي، الكثير من أسرار إنتاج النفط، وطرق تصديره، وطبعاً كان لا بد من مشاهدة عرض قريب للواقع عن جريمة صدام البيئية الهائلة، عندما أصدر «أوامره الجبانة»، في فبراير، لأشاوسته، لتدمير نحو 1073 بئراً نفطية، ما أدى إلى اشتعال النيران في قرابة 737 بئراً منها، ولا يزال العالم، وبعد 36 عاماً، يتساءل عن الدافع وراء ارتكاب تلك الجريمة البيئية الكبرى في التاريخ، فلا أحد استفاد من ارتكابها، وأضرت بمن ارتكبها، بمثل ما اضرت بأصحابها، وهي بالتالي من الجرائم الأكثر غباء في التاريخ.
ملاحظة: على الرغم من كل اللغط الذي دار حول مبالغة الإدارة الإنكليزية، وإسرافها في الصرف على نفسها، خلال الفترة السابقة لتأميم الشركة، وفي المزايا المالية التي كانوا يحصلون عليها، فإنه من الإنصاف الاعتراف، من واقع ما أعرف، بأن الإدارة الوطنية، التي خلفتها في معظمها، لم تكن أفضل منها!.
أحمد الصراف

