: آخر تحديث

‏لماذا لا ندرس القرار قبل إصداره؟

6
6
4

ما أعلنته وزارة التربية، أخيرا، بشأن إلغاء عدد كبير من قرارات النقل، بعد مراجعة الظروف الإنسانية والاجتماعية للمعلمين والمعلمات، امر يستحق الإشادة والتقدير بالفعل، رغم انها، اي الوزارة، كانت في غنى عن كل الانشغالات والزيارات واللقاءت والصداع، حين ثارت الاعداد الكبيرة منهم محتجين على نقلهم لأماكن بعيدة جدا عن سكنهم.

لظروف انسانية واجتماعية، كما ورد بقرار الالغاء، تفهمت الوزارة، ومن خلال التظلمات، قررت الرجوع عن نقل عدد ليس بقليل من المعلمين والمعلمات، واعادتهم الى مدارسهم.

الشكر هنا لوزير التربية، وللجهات المختصة التي تعاملت مع كل التظلمات التي كانت لها اسبابها المنطقية، وفتحت المجال لإعادة التقييم، ولم تجعل من القرار الصادر أمراً لا يجوز المساس به.

هذه الجزئية غاية بالاهمية، نأمل أن تحذو حذوها بقية الجهات بالدولة، ادراكا أن مراجعة القرار لم ولن يكن يوما من الايام ضعفاً، بل هو ممارسة إدارية مسؤولة تستحق أن تصبح نهجاً عاماً.

هذه الخطوة الإيجابية طرحت امامي تساؤلا مستحقا وفي مكانه، لماذا ننتظر الاعتراضات وما يصاحبها من صخب وغضب ومراجعات وانشغالات وضياع وقت المسؤولين، حتى نكتشف جوانب القصور في بعض قراراتنا؟ ولماذا لا ندرس جميع أبعاد القرار قبل إصداره، بدلاً من أن نضطر إلى معالجة آثاره بعد التطبيق؟

قرار نقل معلم أو معلمة قد يبدو في الأوراق مجرد إجراء إداري (كما في قرارات مصيرية اخرى) لسد نقص في مدرسة، لكنه بالحقيقة امر ابعد من ذلك، شأنه شأن اي قرار آخر يمس الجوانب الانسانية والاجتماعية لمن يطولهم القرار.

كتبت مرارا وتكرارا ان اي قرار، ليس مطلوباً فقط أن نُحسن معالجته بعد صدوره، وإنما أن نُحسن صناعته وصياغته قبل أن يرى النور.

لماذا لا تكون هناك آلية واضحة لدراسة القرارات المهمة من جميع جوانبها، من خلال لجنة تضم مختصين وأصحاب خبرة وممثلين عن الفئات التي ستتأثر بها؟

لجنة لا تجتمع لمجرد الموافقة، بل لممارسة عصف ذهني حقيقي، يُقلَّب فيه القرار في كل اتجاه، نبحث عن ثغراته ومخاطره ونتائجه غير المتوقعة.

نسأل عن المستفيد والمتضرر، وعن البدائل الممكنة، وعن الآثار الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، وعن مدى قدرة الناس على التكيف مع القرار.

وحتى ندرس اي قرار من كل جوانبه، وحتى نقف عند كل احتمالات التعامل معه، لماذا لا تضم هذه اللجان اشخاصاً تُسند إليهم مهمة الاعتراض على القرار، والبحث عن نقاط ضعفه، حتى لو كانوا مقتنعين به.

نحن لسنا بحاجة إلى لجان تتفق على كل شيء، نحن بحاجة إلى عقول تختلف قبل اتخاذ القرار، حتى لا يختلف الناس عليه بعد صدوره، ومن ثم يأتي بنتائج لم يُعمل حسابها، خاصة في الجانب الاجتماعي والإنساني.

ليس مطلوبا التراجع أمام كل اعتراض، أو أن تتحول الظروف الفردية إلى عائق أمام المصلحة العامة.

القرار العادل ليس بالضرورة هو القرار الذي يرضي الجميع، وإنما ما اقصده ان يقوم اي قرار على دراسة موضوعية، تقوم على التوازن بين المصلحة العامة والظروف المستحقة، على ان يكون الضرر منه بأقل الممكن.

الاستماع إلى الناس يجب أن يكون جزءا من صناعة القرار، لا ان يأتي دائماً بعد اتخاذه، حتى تقل معها الحاجة إلى التظلم والتراجع والتعديل.

الهيبة الحقيقية للمؤسسة لا تأتي من تمسكها بكل ما تصدره، وإنما من ثقة الناس بعدالة قراراتها وقدرتها على تصحيحها.

شكراً لوزارة التربية على خطوة المراجعة، والأمل أن تتحول هذه الخطوة إلى ثقافة حكومية عامة، لا إلى استثناء نحتفي به كلما حدث.

فالتراجع عن الخطأ فضيلة، لكن الأجمل أن نفكر جيداً قبل أن نخطئ.

من الجيد أن تتراجع أي جهة حكومية عن قرار تبيّن أن فيه ظلماً أو ضرراً، لكن الأجمل والأهم أن تدرس قرارها جيداً قبل إصداره، حتى لا تضطر إلى التراجع عنه بعد أن يكون قد أثار القلق والاعتراض وأربك حياة الناس.

المشكلة في كثير من قراراتنا ليست بالضرورة في أهدافها، فقد تكون الأهداف سليمة والنيات حسنة، لكن الخلل يكمن أحياناً في طريقة الوصول للمراد.


إقبال الأحمد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد