انتهى موسمُ المؤتمرات السنوية للأحزاب البريطانية خلال الأيام الماضية. وبانتهائه يمكن القولُ إنَّ معالمَ الطريقِ إلى السباق الانتخابي المقبل قد اتَّضحت أكثرَ من ذي قبل. وأنَّ الحزبين الرئيسين القديمين (العمال والمحافظين) قد استعادا مكانتَهما وتمكَّنا من إزاحةِ «حزب إصلاح المملكة المتحدة» و«حزب الخضر» من الطريق. على الأقل هذا ما تؤكده نتائجُ استطلاعات الرأي العام منذ بداية موسم المؤتمرات السنوية وحتى الأيام القليلة الماضية. الخاسرُ في هذا الموسم كان «حزب إصلاح المملكة المتحدة»، الذي تراجع من صدارة استطلاعات الرأي إلى المركز الثالث لأول مرة منذ قرابة عامين.
في أحدث استطلاع نشرته صحيفة «التايمز» يوم الأربعاء الماضي، تصدَّر «حزبُ العمال» القائمة بنسبة 24 في المائة، يليه حزب المحافظين بـ23 في المائة، ثم «الإصلاح» ثالثاً بـ21 في المائة. المفاجأة هنا صعود «المحافظين» إلى المرتبة الثانية وتجاوزه «الإصلاح» للمرة الأولى منذ الانتخابات النيابية الماضية. تدني شعبية حزب الإصلاح الشعبوي بين الناخبين تبدو واضحة لدى المقارنة بشعبيته في العام الماضي. الأمر نفسه يطول «حزب الخضر» الذي تعرض لهزات كبيرة مؤخراً، وفشل زعيمه في الفوز بمقعد برلماني في انتخابات ثانوية.
في محال وأماكن المراهنات على سباق الخيل في بريطانيا، ثمة عبارة مأثورة يتبادلها رواد تلك المحال مفادها أن السباق الحقيقي بين الخيول يبدأ في المائة متر الأخيرة. ومن النادر أن يبدأ حصان قيادة السباق من البداية إلى النهاية. وعلى ما يبدو فإنَّ ما يحدث في سباقات الخيول يشبه إلى حد بعيد ما يحدث في الانتخابات النيابية البريطانية. حزب نايجل فاراج كانَ يقود السباق في استطلاعات الرأي العام منذ قرابة عامين، لكن في منتصف المسافة من خط النهاية، عاد «العمال» و«المحافظين» إلى قيادة السباق.
التَّحول السريع في شعبية الأحزاب الثلاثة لا يعكس تبدل مزاج الشارع البريطاني فحسب، بل يكشف أيضاً عن عمق التحديات التي تواجه كلاً منها. فالمسافة إلى خط الوصول لا تزال بعيدة نسبياً، ما لم تحدث انتخابات خاطفة. وهناك مؤشرات وشائعات تتحدث عن احتمال لجوء رئيس الحكومة أندي بيرنهام إلى عقد انتخابات خاطفة، رغم توالي النفي والإنكار من جانب حزب العمال.
أول المتغيرات في السباق كان مع وصول أندي بيرنهام إلى قيادته، إذ قفز العماليون إلى قمة الاستطلاعات متجاوزين «الإصلاح الشعبوي» لأول مرة. وتعزز موقف الحزب بين الناخبين بعد الخطاب الذي ألقاه بيرنهام في المؤتمر السنوي، وقوبل باستحسان حتى في أوساط الإعلام المحافظ، وعدّه المعلقون بمثابة «مانيفستو» يتضمن برنامجاً انتخابياً للانتخابات المقبلة، وأن بيرنهام قد وضع خريطة الطريق للمعركة ومحورها وعلى بقية الأحزاب اقتفاء أثره.
أما المحافظون، فيمثل تجاوزهم «الإصلاح» في الاستطلاعات خطوة أولى نحو استعادة موقعهم في قيادة اليمين البريطاني، واسترداد ما خسروه من ناخبين لصالح «الإصلاح» خلال الفترة الماضية. اللافت في نتائج الاستطلاعات أن زعيمة الحزب كيمي بادنوك تحظى بشعبية لدى أنصار الحزب أكثر من الحزب.
ويشكل التراجع الأخير بالنسبة إلى «الإصلاح» جرس إنذار صريحاً. فقد أصيب مؤتمره بنكسة منذ يومه الأول بسبب فضيحة تتعلق بالحصول على أموال من أجانب، تزامن ظهورها في وسائل الإعلام مع عقد المؤتمر مما أفقده الزخم الإعلامي. أضف إلى ذلك أن الخطاب الشعبوي قد يبلغ سقفه سريعاً إذا لم يسانده برنامج واقعي يلامس الهموم المعيشية للناس.
وبين حسابات الحكومة في توقيت الدعوة إلى الانتخابات، وطموح المعارضة إلى استعادة المبادرة، تبقى الأشهر المقبلة محفوفة بالتقلبات ومفتوحة على كل السيناريوهات. ولعلَّ المتغير الأبرز هو سلوك الناخب البريطاني نفسه.
إذ لم تعد الولاءات التقليدية تحكم خياراته. وأصبح يمارس ما يمكن تسميته «التصويت العقابي السريع» ضد أي طرف يعجز عن تقديم حلول ملموسة للأزمات الملحّة، وفي مقدمتها غلاء المعيشة، وتردي الخدمات الصحية، وملف الهجرة.
وخلال موسم المؤتمرات، أعادَ كلٌّ من الزعيم العمالي أندي بيرنهام والزعيمة المحافظة كيمي بادنوك ترسيمَ الحدود الآيديولوجية بين الحزبين الكبيرين بوضوح لم نشهده منذ سنوات، وتمحور خطاباهما في المؤتمرين حولَ الموقف من الإرث «الثاتشري». فبينما لجأ بيرنهام لنفض الغبار عن الإرث العمالي التقليدي القائم على توسيع سيطرة الدولة والإنفاق العام السخي، أعادت بادنوك إحياءَ الإرث الثاتشري، داعية إلى تقليص حجم الحكومة وخفض الضرائب واحتضان القطاع الخاص وتشجيعه.

