: آخر تحديث

المسار الرياضي.. رئة الرياض

4
4
2

مهما ارتفعت الأبراج واتسعت الشوارع، تحتاج المدن إلى مكان يستعيد فيه إنسانها علاقته بخطواته، مساحة يخرج إليها دون موعد، ويجد بين أشجاره وممراته فسحة من يوم أثقلته المشاغل، من هنا ندرك فرادة مشروع المسار الرياضي في الرياض، فكرة تعيد ترتيب العلاقة بين المدينة وساكنها، وتمنح المشي مكانته المستحقة في الحياة اليومية.

ومع أن المشروع لم يكتمل، وما افتُتح منه يمثل مراحل من صورته المنتظرة، فإن نجاحات بدايته تبشر بنجاح واسع، فقد انطلقت مرحلته الأولى بخمس وجهات في فبراير 2025، وناهز عدد زواره ثلاثة ملايين خلال عام من الافتتاح.

هذا الطريق، الذي يحمل اسم قائد الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، أمسى مساحة جاذبة تؤثر على جودة حياة قاطني الرياض، مشيًا ورياضة ولقاءات عائلية، وأجمل ما تصنعه المشاريع الكبرى أن تتحول أفكارها الطموحة إلى منفعة يومية قريبة من الجميع.

قبل أيام قضيت وعائلتي الصغيرة ساعات صحيّة ومبهجة في المسار، الذي كان شبه مكتظ، والحقيقة أنني أقرأ الإقبال كدليل نجاح، فالناس يصوتون بحضورهم للأماكن التي يحبونها، لكن من المهم الاهتمام بملاحظات المستفيدين واحتياجاتهم، واعتبارها أساس تحسين التجربة، وبالتأكيد أن إدارة المشروع قريبة من هذه الأصوات، تسأل الزوار عما يحتاجونه، وتقيس رضاهم، وتعلن التحسينات التي جاءت استجابة لمقترحاتهم.

وفي مقدمة ما يستحق الاهتمام زيادة مواقف السيارات، وحسن توزيعها، وأن تكون تحت المسار، ووضوح اللوحات المؤدية إليها، مع تسهيل الانتقال منها إلى ممرات المسار، نريد أن يصل الزائر مستعدًا للمشي، مرتاحًا من عناء البحث والدوران، وكذلك تعزيز الوصول بالحافلات والربط بمحطات النقل العام، وتهيئة مداخل آمنة من الأحياء المجاورة.

وتأتي دورات المياه في صميم جودة التجربة، عبر زيادتها وتوزيعها على مسافات مناسبة، والعناية بنظافتها وصيانتها، وإتاحتها للأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الهمم، وكذلك محطات مياه الشرب، والمقاعد المظللة، والإرشادات الواضحة، ونقاط الإسعاف، تلكم الخدمات قد تبدو صغيرة أمام ضخامة المشروع، لكنها في ذاكرة الزائر كبيرة، كونها تمس راحته مباشرة، وتمنحه الاطمئنان خلال زيارته.

ثم إن اسم المسار يدعونا إلى مزيد من النشاط الرياضي المجتمعي، أتطلع إلى مجموعات مشي منتظمة، وحصص لياقة مفتوحة، وسباقات للهواة، وبرامج لتعليم الأطفال ركوب الدراجات، وفعاليات تجمع الأسر، ومبادرات يشارك فيها الموظفون والطلاب والمتقاعدون، كما أن وجود المقاهي جميل، ويضيف للمكان حيوية، لكن الأجمل أن تكون الاستراحة امتدادًا لنشاط، وأن يعود الزائر إلى بيته وقد تحرك وتعلم والتقى، إلى جانب قهوته.

نجاح المسار الرياضي في بداياته يرفع سقف انتظارنا لما سيأتي من مراحل، والرائع أن المشروع استطاع أن يأسر قلوب أهل الرياض قبل اكتماله، وأن يشاهدوا فيه جزءًا من مستقبل مدينتهم، مسارًا للحركة والبهجة والصحة واللقاء، يجد فيه كل زائر ما يناسبه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد