حادثة طائرة (فلاي دبي) التي هبطت اضطرارياً في مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز الدولي بمدينة تبوك، لم تكن مجرد حادث طيران عابر، خاصة أن ما حدث داخل الطائرة كان غير معتاد، وسرعان ما انتقلت أخباره إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وبدأت معها الروايات والاجتهادات، كما يحدث دائماً عندما تكون المعلومة ناقصة.!
لكن بعيداً عن تفاصيل الحادثة نفسها، لفتني الجانب الإعلامي في التعامل السعودي معها، وربما يستحق أن نتوقف عنده أكثر من مجرد متابعة ما حدث داخل الطائرة، فالطائرة هبطت بسلام، وتعاملت الجهات المختصة مع الموقف أمنياً وإنسانياً، وبعد أن اتضحت المعلومات الأولية، حيث أعلنت وزارة الداخلية تفاصيل ما حدث.
وهنا برأيي تأتي أهمية الشفافية الإعلامية، فالشفافية لا تعني أن نسارع إلى نشر أي معلومة لمجرد أن الناس يسألون عنها، ولا أن تدخل الجهات الرسمية في سباق مع حسابات التواصل الاجتماعي، لكنها أيضاً لا تعني الصمت وترك الآخرين يصنعون القصة نيابة عنا، المعادلة ببساطة هي أن تقول ما تعرفه عندما تستطيع قوله، وأن تكون المعلومة واضحة ودقيقة ومن مصدرها، حتى لو كانت هناك تفاصيل لا يمكن إعلانها في ذلك الوقت.
وهذا ما أعجبني في التعامل مع حادثة تبوك، لم تكن هناك محاولة لاستباق التحقيق، وفي المقابل لم تتحول حساسية الحادثة إلى مبرر لإخفاء ما يمكن إعلانه، وعندما أصبحت المعلومات متاحة تم الإعلان للرأي العام بوضوح ما حدث، وهذه المعادلة مهمة في زمن أصبح فيه الصمت نفسه مادة للتشكيك!
وهذا النموذج يستحق أن يكون حاضراً في تعامل مختلف الجهات مع الأحداث، لأننا نعيش زمناً لم تعد فيه المعلومة تنتظر البيان الصحفي، فهناك هاتف في يد كل شخص، وصورة وفيديو ينتقلان خلال ثواني، ومنصات لا تنتظر أحداً، وغياب المعلومة الرسمية لا يمنع انتشار الخبر، بل يفتح المجال أمام القصص المبالغ فيها أحياناً والاجتهادات، وربما تصبح الرواية غير الصحيحة أكثر انتشاراً من الحقيقة نفسها.
ومن هنا أصبحت سرعة المعلومة ودقتها جزءاً أساسياً من إدارة الأزمات، ولم تعد مهمة الإعلام أن يشرح للناس ما حدث بعد انتهاء الحدث، بل أن يكون حاضراً معه، وأن يقدم المعلومة عندما تصبح متاحة، قبل أن يملأ الآخرون الفراغ، وهذا مهم جداً في لنا اليوم، مع حجم التحولات التي نعيشها والاهتمام العالمي المتزايد بكل ما يحدث ببلادنا، فنحن لا نحتاج فقط إلى إعلام ينقل إنجازاتنا، بل إلى إعلام يتمتع بالشفافية والمصداقية حتى في الأحداث الصعبة أو غير المعتادة.
لذلك شخصياً اعتبر حادثة فلاي دبي مثالا للطريقة المثالية في التعامل مع الحدث، والتحقق من تفاصيله، ثم إعلان ما يمكن إعلانه بوضوح، ومن وجهة نظري وفي ظل ثورة وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة نقل الأحداث لا يمكن اعتبار أن الشفافية أن تقول كل شيء، ولا أن تتحدث قبل أن تكتمل لديك المعلومة، ولكنها تعني ان لا تعطي فرصة للروايات المغلوطة.

