: آخر تحديث

الخيال إذ يتشيطن

4
4
3

روى المبرد في كتابه «الكامل» عن أعرابيين جلسا يتكاذبان، فقال أحدهما: خرجت مرةً على فرسٍ لي، فإذا بظلمةٍ شديدةٍ، فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعةٌ من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل بفرسي عليها حتى أنبهتها، فانجابت؛ فقال الآخر: لقد رميتُ ظبياً مرةً بسهمٍ فعدل الظبي يمنةً، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي، فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر فانحدر عليه حتى أخذه. وقد انتشر هذا الفن في البوادي العربية وعقد له المبرد باباً بعنوان «تكاذيب الأعراب»، وقوامه التكاذب بمعنى أنه مبارزة كلامية تعتمد توظيفاً إبداعياً في مهارة الكذب والأكذب هو الأبدع. والمبرد بهذا العنوان يحرر مفهوم الكذب الجمالي بوصفه فناً في صناعة الخيال وتصيد مجازيات اللغة وإحالاتها الرمزية، وفي هذا الفن معارضات تشبه المعارضات بين الشعراء وفيه تتحرك اللعبة الخيالية لتكشف عن أحد أنظمة التفكير البشري، فالعقل كما قيل يعقل الأفكار بمعنى يقيدها بعقالٍ يمسك تدفقها ومن ثم ينظمها في منظومةٍ معقلنةٍ وتنمو المعرفة الفلسفية عبر هذه التفاعلية الذهنية، مما يرفعها عن درجة الخواطر التي تخطر ثم تولي لكنها قابلةٌ للتعقلن عبر ربطها بمنظومة متصنعة تكبح جماحها من جهة وتصنع منها معرفةً متناميةً حسب تراكمها من جهة أخرى، بشرط اجتراح منهجيات تتقوى مع الزمن وتتطور لتصبح نظريات متعمقةً احتلت مقامات عالية في المدونات الكبرى في الفلسفة. لكن الخاطرة إذا ما تُركت متدفقةً فستكون مثل تدفق الماء دون نظام يسوسه ويقيده. لذا تميزت الأفكار بالتعقّلن؛ أي التقيّد، وقد تعلم البشر أن الكتابة تقيد الأفكار وتحبسها للإفادة منها وقت العودة إليها كما تحبس المياه في خزانات تجعلها ذخيرةً وقت الحاجة، وكما نحتاج الماء فإننا نحتاج الأفكار. ومن وجوه الأفكار تتولد الأخيلة، وكل خيال هو بناءٌ هرمي يتنشأ من فكرة بسيطة وعادية ثم يسعى الذهن لاستثمار الفكرة، وأولى الفرص الاستثمارية هي عمل خطة استثمارية عبر الحبكة. فالحبكة نظام يرتب تدفق الأحداث اللغوية ليبني منها خلاصةً مكثفةً تمنح القول صفات المتعة فتصبح نصاً ينتظمه الإيقاع في الشعر، أو تنتظمه الفكرة في الخطابة، ومن ثم يترقى للفلسفة، وكان هناك ربط أولي بين الفلسفة والخطابة من حيث انطلاقهما معاً من المنطق وإقامة البرهان. وفي المقابل فالشعر ينتظمه الإيقاع والمجازية. أما في الفنون النثرية فتأتي السردية فهي التي تضبط الحبكة فتميز بين الطلاقة الحرة والنص المركب، فالنكتة مثلاً هي حبكة صغرى وتتميز بصغرها وقصرها فتحقق هدفها بأقصر طريق للتعبير ولو طالت سمجت وفقدت التركيز المكثف الضروري لأي نكتة.

غير أن تكاذيب الأعراب فن تميز بتفرده عن سائر السرديات، وهو الفن الوحيد الذي جاء وصفه بالكذب وربطه بالأعراب ويأتي في صيغة تكاذب بين طرفين أي أنه لم يعد كذباً كما في المعنى الاجتماعي والأخلاقي، حيث الكذب عيب ونقص في المروءة، بينما التكاذب مهارةٌ إبداعية متقصدة غايتها الإمتاع مع كشف مهارة المتكاذبين في مباريات تشبه السباق على الخيول لكنه ليس منازلةً حربيةً بل رياضةٌ ذهنيةٌ للتسلية والتدرب على المهارة، وفيه غلبة وتغالب ولكن ليس للقتل. ولبرتراند راسل قولٌ لطيف بأن البشر اخترعوا فنون اللعب والرياضة لكي يشبعوا رغبات الغلبة والفوز على بعضهم كبديلٍ سلمي عن الحرب، وهذه فكرة طريفةٌ وذكيةٌ لكن اللعنة هنا أن الرياضة لم تشبع رغبات البشر وتكفيهم عن الحرب بل إن البشر حوّلوا الرياضة إلى أنواع من الحروب تتجلى في العنف الرياضي داخل الملعب، وعلى مقاعد الجماهير وخارج مبنى الملعب، مما هي ملاحمُ حروبٍ أهلية بين الفرقاء، مما يحولها لنسقية ثقافية أخرى حول مهارة البشر في تحويل الجميل إلى قبيح وتحويل التنافس إلى تصارع، والكذب الجمالي إلى كذب سياسي وخداع اقتصادي.

ومن علامات خبث العقل البشري سنرى سهم الأعرابي المتكاذب يتحول إلى صيغةٍ حربيةٍ تكشف خبث التدبير البشري في تحويل الجميل إلى قبيح فالسهم الذي انطلق في كذبة الأعرابي تحول إلى صواريخ اتخذت المجازية نفسها (فعدل الظبي يمنةً فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر فانحدر عليه حتى أخذه) وهذا وصف لما تفعله الصواريخ الموجهة في تتبع الهدف حتى تأخذه. ومن ذلك حكاية بساط الريح الذي تفتقت عنه رغبات عميقة في الذهن البشري لكي يصل لسرعة أعلى من مجرد سرعاته الجسدية أو سرعات الحيوانات، إذ تحول ذلك الخيال إلى طائرات تحقق غايات الخيال الذي صنع بساط الريح وحين تعقلن جعل الآلة تطير به لغايات سلمية وأخرى حربية. ومثل ذلك ما وجد في رسومات لدافنشي عن غواصة بحرية، وكان ذلك تخييلاً جمالياً فحسب، لكنه تحول في العقل البشري من خيال جمالي إلى أداة حربية، مما يعني أن الخيال البشري يفعل فعل العقل البشري، فكلاهما ينتج الأفكار في مهارة عقلية أو مهارة تخييلية، وهذه خاصية إبداعية لكنها قابلة للتوظيف، والعقل والخيال معاً كليات تتمايز فيها العقول والأخيلة حسب مهارات فردية تنسب للأفراد، وتظل فرديةً إلى أن تتجلى في صيغٍ وظيفية. وهنا يتعقلن الخيال ويتشيطن.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد