: آخر تحديث

صخرة أخرى تجثم على صدور الليبيين

4
4
3

الجنونُ أنواعٌ. أسوأه، في رأيي، الذي يصيب نخبةً سياسيةً في بلد، فيصبح الواقع الحياتي فيها مثلَ قطار يخرج بكامل عرباته عن قضبان سكة المنطق والعقلانية ويسقط في هاوية الفوضى. حينئذ تبدو الدنيا مقلوبة، عاليها سافلها، وقد تسقط الحدود بين الخير والشر أو يعتريها ضباب كثيف. ويصبح الفساد بالضرورة واقعاً معيشاً مثل سيل هادر يجرف ما ومن يلقاه في طريقه. وفي المشهد السياسي الليبي اليوم نوعان منه: جنون الفعل، وجنون الصمت.

أمَّا جنونُ الفعل فمثالُه ما حدث في اليومين الماضيين، حين حلّ في مطار العاصمة طرابلس رئيس حكومة جديد، وبثّ بياناً من داخلها في وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي يعلن فيه حالة الطوارئ، ويطالب الحكومتَين في طرابلس وبنغازي، والمجالس الثلاثة (الرئاسي والنواب والأعلى للدولة)، بتسليم السلطة. وصوله وظهوره المفاجئ في وسائل الإعلام يدفعان إلى التخمين بأنه إما أن يكون متهوراً حد الجنون، وإما أنَّه مكفول الحماية ومدعوم من قوى محلية أو خارجية، أو منهما معًا، بل ذهب آخرون إلى القول بأنها حكومة ظل لحكومة طرابلس التي ستسقط لا محالة في حالة ما تقرَّر إجراء انتخابات. وكونه ما يزال طليقًا حتى هذه اللحظة، يعزّز هذا القول!

وأمَّا جنون الصمت فهو أن تكتفي الحكومتان والمجالس الثلاثة بمراقبة ما يجري، فلا يصدر عن أيّ منها بيان واحد يوضح لنحو سبعة ملايين ليبي ماذا يحدث ولماذا؟ صمت الجهات الرسمية، في لحظة مثل هذه، وفي دراما سياسية، ليس حيادًا، بل تخلٍّ عن واجب الإيضاح.

في تزامن مع وصول رئيس الحكومة المزعوم وملابساته المريبة، انتهت المدة القانونية المنصوص عليها في اتفاق «4 4» الممنوحة لمجلسي النواب والأعلى للدولة للموافقة على الاتفاق. انتهت المدة الممنوحة ولم يصدر المجلسان موافقتهما. هذا يعني، وفقاً لبنود الاتفاق، يقول معلقون ليبيون، أن تنتقل اللجنة المذكورة إلى الخطوة التالية، وهي تجاوز المجلسَين، وعقد مؤتمر من خمسة وأربعين شخصاً: خمسة عشر عن كل حكومة، وخمسة عشر آخرين تختارهم البعثة الأممية. يجتمع هؤلاء للموافقة على الاتفاق وإحالته إلى مجلس الأمن الدولي لمنحه الشرعية الدولية.

في محاولة فهم ما يجري وسط الغموض والصمت، يتبدى أمام المراقب مساران: الأول يسير فيه رئيس حكومة مزعوم هبط فجأة من السماء، والآخر بدأته لجنة (4 4) المكوّنة من الحكومتين. فهل يتمكَّن هذا الرجلُ ومن يقف وراءه، محلياً ودولياً، من فرض أمر واقع جديد، أم ينتهي به الأمر في مزبلة التاريخ؟ وهل تتمكن اللجنة من السير في مسارها حتى النهاية، أي تعيين حكومة موحدة وإجراء انتخابات رئاسية ونيابية خلال عامين؟

مهما تعددت الإجابات واختلفت، تظل عاجزةً عن تقديم جواب واحد منطقي ومقنع وعملي. الثابت الوحيد في هذه الدراما العبثية التي تعيشها ليبيا منذ سقوط النظام السابق أنَّ الواقع الليبي، بتعقيداته وتعدد أطرافه، يثبت مراراً قدرة استثنائية على توليد المفاجآت واختراع أشكال جديدة من المأفونين. وكأنَّ على الليبيين أن يقبلوهم دون قلق، ودون أن يصرخوا في وجوههم بالسؤال: إلى متى هذا العبث؟

بين قطار واقع سياسي خرج عن قضبانه وسقط في هاوية الفوضى، ولجان برلمانية وأممية وغيرها تظهر فجأة وتختفي فجأة، وتنتقل بين العواصم بهدف مُبيّت قائم على سياسة الحرث في البحر، يظل المواطن الليبي مغلوباً على أمره، وهو يرى أمواله تُنهب وبلاده تُدمّر وهو مشدوه يتفرج على مسرحية تتداخل فصولها وشخصياتها وتتكرر أحداثها. ويتساءل بمرارة: أيُّ المسارَين أسرع وصولاً إلى اللاشيء؟

هل المشهد الحالي، بجنونه وعبثيته، مجرد فصل جديد في لعبة بلا قواعد ولا نظم، لا تنتهي فصولها؟ أم هو إعلان آخر، وليس الأخير، عن سيناريو صممته وأطلقته الأطراف المتورطة في النزاع الليبي؟ إنَّها صخرة أخرى تجثم على صدر ليبيا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد