: آخر تحديث

لماذا نشتاق للوطن؟

6
5
4

السفر جميل، وأنا وكثيرون غيري من محبيه.

السفر، كما يمنحنا المتعة والذكريات والتجارب والانفتاح على العالم بكل ألوانه وتفاصيله، يمنحنا هدية لا ننتبه إليها كثيراً.

بالسفر، نرى وطننا من الخارج ونعيد تعريفه في داخلنا.

ابتعدت عن الكويت أكثر من أسبوعين، في رحلة هدفها الراحة والاستمتاع وتغيير الجو. لم أكن في مكان سيئ؛ بالعكس، كانت مشاهد الجمال والحياة والنشاطات هناك حافزاً ودافعاً للمضي قدماً بهمة ونشاط وسعادة.

لم يضطرني شيء إلى العودة للوطن أو يستعجلني، إلا أنني شعرت بعد أيام بالرغبة في العودة اليوم قبل الغد.

فجأة، أضاء سؤال في داخلي: لماذا؟

لماذا الحنين إلى الوطن؟ ما الذي يجعل الإنسان يترك بلده باحثاً عن الراحة والاستمتاع، ثم يكتشف أن جزءاً من راحته بقي هناك؟

هل هو الاشتياق إلى البيت أو الأهل والأصدقاء؟

هل هناك استمتاع «خفي» بالروتين الذي نسعد بكسره بالسفر؟ أم ماذا؟

ترددت في الإجابة عن هذا التساؤل، فوصلت إلى قناعة بأننا لا نعرف تماماً ماذا يعني لنا الوطن ونحن داخله.

تعودنا أن نرى الوطن في ازدحام الشوارع، ومشاغل البيت والعمل وتعبهما، وفي ازدحام المواعيد والالتزامات.

يكثر انتقادنا لما لا يعجبنا في الوطن، ونحلم أحياناً بالابتعاد عنه لبعض الوقت، ولكن الغربة، ومهما كانت قصيرة وممتعة، تعيد تعريف الوطن في داخلنا.

نعم، الوطن ليس أرضاً وبيتاً فقط؛ إنه المكان الذي لا نحتاج فيه إلى أن نشرح أنفسنا كثيراً، لأننا نعيش فيه من دون تفكير.

خارج الوطن، غالباً ما تحتاج إلى اليقظة والانتباه لأبسط التفاصيل؛ فكل شيء حولك جديد.

ورغم جمال المكان والطقس والطبيعة، يبقى هناك شيء ناقص، لا تستطيع فخامة المكان الذي تسكنه أو الذي تأكل فيه أن تمنحك إياه.

إنه الإحساس بأنك في مكانك.

الاشتياق إلى الوطن ليس لأنه الأفضل في كل شيء، بل لأنه يملؤنا بالشعور بالدفء؛ والدليل أن العودة إليه تشعرنا براحة يصعب الحصول عليها خارجه.

بالتأكيد، هذا الشعور ليس عاماً لدى الجميع بالدرجة نفسها، وهو يرتبط بما منحه الوطن لكل إنسان.

فمن ارتبط وطنه في ذاكرته بالخوف والارتياب والحرمان، لن يشتاق إليه كمن وجد فيه الأمن والأمان والاحترام والكرامة.

عند هذه النقطة، أفهم أكثر لماذا أشتاق أنا شخصياً إلى الكويت بهذه السرعة.

سهولة الحياة اليومية، وجمال الناس، ودفء الأسرة والأصدقاء، وحتى قصر المسافات، تعني الكثير.

تفاصيل يومية صغيرة لم نفكر يوماً في أن لها قيمة، تتحول في الغربة إلى أشياء غاية في الأهمية.

نعم، السفر يفتح أمامنا العالم بجماله الذي نحبه، أما الوطن فيعيدنا إلى أنفسنا.

نقطة آخر السطر.


إقبال الأحمد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد